Philosophie & Soufisme26 10 2026

ملائكة السراب (Malaikat Assarabe) — الجزء 9/9

ملائكة السراب، رواية لموليم العروسي — الجزء 9 من 9: الوصول إلى تاحناوت وقصة القافلة المختطفة.

لما وصلا إلى تاحناوت وهم في حالة من التعب والغبن والألم، جاءهم جماعة من أهل القرية يستفسرونهم إن كانوا هم أصحاب القافلة التي اختطفت نساؤها وأطفالها. وكل الأمر أن اللصوص عندما تبين لهم أن الأمر يتعلق بنساء وأطفال يهود خافوا من أن تلاحقهم جيوش الكلاوي الذي كان قد بدأ يحكم تلك البلاد باسم الفرنسيين وأن يذيقوهم شتى أنواع العذاب. فضلوا عندها أن يسبقوا القافلة ويسلموا سباياهم لشيخ قبيلة الحوز. استبشر الناس وعادت الفرحة للنفوس لكن إبراهيم سوف يفاجأ بالخبر الصاعقة؛ لقد احتفظ قطاع الطرق بزوجته وبناته وربما سوف يبعن في سوق النخاسة. في أي مكان؟ لا أحد كان يدري. لم يتبق له إلا علي. جلس القرفصاء واضعا رأسه بين كفيه ودموعه تنساب؛ ما الذي حدث بالضبط؟ "كيف يتجول اليهود في أرض الله الواسعة دون خوف وتسبى زوجتي وبناتي أنا الذي حاربت عائلتي التدخل الأجنبي على طول الأطلنطي؟" شيء ما يبدو غير صحيح في منطق هذا العالم. أحس بيد على كتفه. كان الحاخام. أخذه إلى خيمته واسترسل في الكلام.
" إسمع يا ولدي يا إبراهيم، إن قصتكم أنتم العروسيون أشبه ما تكون بقصتنا نحن. إنكم دخلتم العالم أيتام ويبدو أنكم ستبقون هكذا إذا لم يبعث فيكم أحد في زمان آخر ليدلكم على طريق غير الذي أنتم فيه. إن جدكم الأعلى كان يحمل كل سمات المسيح. يعطي كل شيء للآخرين ولا شيء له أو لذويه. لقد كانت له لازمة لا يتوقف عن ترديدها اطلعت عليها في مذكرات إلياس، كان يقول " نحن كالنخلة نمنح الظل للبعيد ونترك جذورنا تيبس." هو ذا قدركم. هل بإمكاننا تصحيح القدر؟ لقد جاء جدي يعقوب من الأندلس في نفس الوقت الذي جاء فيه جدكم لكن مصائرهما تفرقت وكذلك سبلهما. كان جدي أيضا يعطي دون مقابل. ولم يكن يهمه إلا حبه لبني الإنسان مهما كانت عقائدهم أو ألوانهم أو أصولهم. لكن في اليوم الذي طلب منه الولي موسى أن يقرأ مع صديقيه عمران ويحيى علامة تحليق جدك وصاحبه رحال فوق مراكش وهلاك عبد الله في اليم تحول إلى التصوف واستقر هو بإليغ ويحيى بدمنات. لم يكن يظن في يوم من الأيام أن سلالته سوف تعاود الترحال وتسير نحو المجهول مجددا. لقد اصطفتنا العناية العليا للمحن تماما كما أنتم. أنتم تائهون لكننا نحن أيضا تائهون. يريدون إدخالنا للتاريخ ولا يعلمون أن في ذلك نهايتنا. تصور كيف أن أسلافي هاجروا بمحض إرادتهم من هذه الجبال الشامخة مع المرابطين للأندلس تم أرجعوا مكرهين إليها بعد قرون تم يكرهون اليوم على مغادرتها إلى المجهول. لقد ألم بك الألم اليوم لكن ألمنا نحن، المؤجل إلى تاريخ غير معلوم، آت لا ريب. لقد اعتبر الأوروبيون أننا لسنا أهل للحرية والإنسانية التي يعيشون عليها اليوم لذا اهتدوا إلى وسيلة شيطانية للتخلص منا و إبعادنا عن بلدانهم ووضعنا هكذا في مواجهة بعضنا البعض." -يا عزيزي يا موسى أنا لا أعرف عم تتكلم، هكذا تكلم إبراهيم والدموع تخنق حلقه. -يا إبراهيم هؤلاء اليهود، وغيرهم كثير من جميع أرجاء أوروبا، يساقون اليوم إلى أرض فلسطين بدعوى أنها أرضهم الأصلية. بعضهم أقنعوه وبعضهم أرهبوه والبعض الآخر يتبع دون أن يعلم ما الذي يفعل. ذلك الظهير؛ ظهير الحرية، الذي قرأت والذي جعلك تحنق على المغاربة اليهود وتحسبهم بني إسرائيل الذين يتحدث
عنهم القرآن، هو هدية مسمومة. أكيد أن الحرية التي نتمتع بها الآن ببلادنا تفوق في كثير من الحالات حرية مواطنينا من المسلمين ولكن المقابل المطلوب منا باهض. كيف يمكن أن أغادر أرضي وأرض أجدادي؟ في إليغ مقابر كل اليهود الذين أنحدر منهم، في إليغ كل أحلامي وذكريات طفولتي وشبابي. في إليغ أريج الأشجار والنباتات التي تملأ أنفاسي، في إليغ أهازيج وأنغام ترقص جسدي وفي إليغ لغة لن أجد من يتقاسمها معي منذ الآن، في إليغ... -لماذا تغادر إذن؟ إبق، إهرب، اترك القافلة وتعال نغير الاتجاه. -لا يمكن، أنا حاخام وعلي مسئولية كل المسافرين وهذا قدري، هل بإمكاننا تصحيح القدر؟ لقد هربت كل سلالة إلياس، قالوا إنهم أمازيغ من أيت باعمران ولا يمكنهم أن يدعوا أنهم من أصول مشرقية. لقد توجهوا إلى الصويرة أو آسفي لا أدري. لكن الأمر لا يعدو أن يكون مؤقتا. ألم تقرأ في مذكرات جدك كيف كان العالم وكيف مال إلى التغير والتبدل ابتداء من موقعة العقاب. لقد بدأ تراجع المغاربة أمام أوروبا منذ ذلك الحين ويبدو لي أننا لم نفهم بعد كيف استطاعت أوروبا أن تتغير وتتقدم وما الذي جعلنا نتقهقر. كيف يعقل أن يأتي انجليزي من هناك يضغط على السلطان لكي يعطي الحرية لليهود؟ هل هؤلاء اليهود ليسوا مغاربة؟ نحن مغاربة أولا، فكيف سمحت الظروف التي صنعناها بأنفسنا لشخص أجنبي أن يتطاول على سلطة المغرب؟ أترك لك أمر النظر و التأويل وأرجوك أن تتأمل أمر الحرية والقدر، وهنا فراقنا.
تعانقا طويلا وبكيا طويلا حتى ظن الجمع أنهما هالكان لا محالة. ركب إبراهيم البغلة التي أهداها إياه الحاخام واتجه نحو تامصلوحت حتى لا يدخل مراكش من جهة الجنوب. تاه بين الوهاد والوديان. نسي أنه كان يلبس جبة يهودي. هم بتغيير ملابسه تم تراجع عن ذلك ولم يدر ما هو السبب. سار إلى أن غابت الشمس وتعب علي من الركوب فالمشي فالركوب...تراءى له دخان يتصاعد في الأفق حث السير للوصول إليه قبل حلول الظلام. كانت زاوية تامصلوحت. عندما رآه الناس واعتقدوا أنه يهودي بالفعل أشاروا إليه جهة دار الشرفاء. استسلم للأمر وتوجه إليها. استقبله شخص أسود وطلب منه أن يدخل البغلة إلى إسطبل وأن يتفضل لملاقاة الشريف. لما عرف الشريف هوية إبراهيم استضافه تلك الليلة وطلب منه بأدب أن يغادر في اليوم الموالي لأن الظروف صعبة وحماية الغريب أصبحت ممنوعة من طرف أسياد المغرب الجدد. طلب أن تصرف كسوتان واحدة له وواحدة لابنه وأن يعد لهما طعام يكفي لثلاثة أيام. كان لباسه الأمازيغي كفيل بأن لا يكتشف أمره وأن لا يحسب من جحافل الصحراويين الذي كانوا يتوافدون بسيوفهم وبنادقهم ونبالهم على مراكش لملاقاة الفرنسيين وكلهم حماس لدحر العدو وتكبيده أكبر الخسائر. ***********************
أخذ مكانه هو وابنه داخل الحلقة المحيطة بالحكواتي بجامع لفنا بمراكش وكلهم عزم على أن يتابعوا القصة بالكامل. بعد أن عسعس الليل جاء الحكواتي وبعد أن جلس على كرسيه الخشبي المرتفع جدا بالنسبة لمستوى الجلوس، وبعد أن تنحنح وبسمل وحمدل إنطلق: " أما بعد يا سادة يا كرام بعد أن غادر العروسي ورفيقه رحال سماء مراكش ورفعت الناس أكف الدعاء للوليين وشكرتهم على أفضالهما على المدينة وعلى دولة الغرب الإسلامي برمتها، عاش الناس في رخاء وطمأنينة وأمان حتى قيل أن الذئب كان يرعى مع الحمل والقط يلاعب الفأر، سادت العدالة بين الأجناس والأديان. سمع بذلك الفرنجة في بلادهم فأرسلوا مبعوثين لاستطلاع الأمر وتبيان أسرار هذا الحكم الرشيد. جاءت إلى أمير مراكش الملثم رسل ملوك إيران وخازاكستان والهند والتركمان كلها رغبة في أن تعرف سر حب هذا الشعب المعروف بالتمرد والفوضى لهذا الملك الغريب والعجيب. هل فعلا جاءت به السماء أم أن في الأمر شيء ما لا يعرفه إلا القائمون على أمور السياسة في ما وراء أسوار القصر.
كان السلطان يا سادة يا كرام لا يستقبل موفدا ولا يقيم وليمة ولا يخرج لصلاة. كان يعطي أوامره كتابة إلى الجند ورجال الشرطة والدولة على السواء. حاول الأجانب شراء الإماء والخدم والحشم فلم يفلحوا. أغدقوا على السلطان الهدايا وتسابقوا في إرسال الجواري الحسان ليفكوا لغز هذا الأمير من عمق سرير نومه فلم ينجحوا. وكان كلما تسربت أخبار عن رفض السلطان لهدية الملك الفلاني أو الأمير كذا إلا وابتهجت الناس وأيقنت أن الملك فعلا هبة من السماء وأنه حتى وإن كان سليل الملثمين فإنه يكون قد عاش ردحا من حياته في السماء إلى جانب الأصفياء الأتقياء مما مكنه من هذه العصمة المستحيلة على شخص عاش زمانه كله على الأرض. جاء الصوفية ومدعوها والأولياء والمشعوذون ومدعو المهدوية وأصناف من الشعوب تطلب ود السلطان لكن الجميع كان يبقى خارج القصر يصرف له أكل بسيط لمدة ثلاثة أيام تم يطلب منه بأمر من الأمير أن يبحث لنفسه عن مكان آخر.
هذا ما كان من أمر مراكش وأميرها العدل المحبوب. أما ما كان من سلطانها السابق أبا القاسم فإنه لما استقر به المقام داخل مغارته وأصبح متفرغا للعبادة والذكر والتأمل في آيات الكون رأى ذات ليلة فيما يرى النائم أن على عرش مراكش أمير عادل محبوب كما خيل له أنه يعرف هذا الملثم ذي القوام الممشوق والمشية الأنيقة. كانت الصورة تقترب إلى سطح ذاكرته تم تختفي ويستعصي عليه استرجاعها. استفاق باكرا وبعد أن أدى الطقوس التي كان يقول أنها صلواته الخاصة، جلس فوق مرتفع خلوته وبصره يتجه نحو مراكش وهو يركز على الصورة التي رآها في المنام. من يكون هذا الشخص؟ أهو أحد أقربائه؟ من حاشيته؟ من يكون؟ وحتى يخرج من دوامة الأسئلة قرر أن يبعث له برسالة يطلب منه فيها كتبه ولا شيء غير كتبه. أخذ الدواة والقرطاس وخط بخط بديع ما مضمونه:
" ...أما بعد، من أبي القاسم، سلطان مراكش في السابق و شيخ الزاوية القاسمية اليوم. أيه الأمير، لقد بلغني أنك محبوب من طرف الرعية ومحط إعجاب العالمين من عرب ومن عجم. أغبطك على هذا لأنني لم أستطع الوصول إلى ذلك كما لم يستطعه والدي ولا كل من تعاقب على عرش عائلتنا ولم يستطعه قبلهم أي سلطان. أرى حب الناس لي اليوم وأرى اجتماعهم حولي فأفهم أن أمور السياسية بما هي تدبير للمصالح لا يمكن أبدا أن تجعل المرء يحظى باتفاق الجميع. لذا قررت أن أبقى هنا وأن لا أنازع أبدا على العرش. كانوا في السابق يركعون عند رجلي خوفا أو طمعا أما اليوم فإنهم يطلبون أن يقبلوا أقدامي حبا. أقول لك هذا أيها الأمير ليطمئن قلبك ولتعرف أنني طلقت الملك نهائيا لكن شيئا واحدا بقيت متعلقا به حد الهوس وهو موجود في القصر الذي تسكن فيه. إنه مكتبتي. هذه الذخيرة العلمية ليست ملك للقصر بل هي ملكي الشخصي. لقد جمعت كتبها واحدا، واحدا ولن أستطيع إكمال ما تبقى من عمري بدون مكتبتي. لذا أتوسل إليك أيه الأمير الصالح أن تفرج عنها وتبعث لي بها ولك مني كل الدعاء بالتوفيق."
وفي يوم من الأيام يا سادة يا كرام وصل إلى باب القصر عند الساعات الأولى للصباح رجل في ثياب رثة، حافي القدمين لا يحسن النطق بالعربية المراكشية وطلب أن يقابل الأمير. رمى به الحرس خارج باحة القصر وتوعدوه إن هو عاد ثانية. غاب ما يقارب الساعة تم ظهر من جديد أمام الحرس وهو يتمتم بكلام لم يفهمه أحد. في تلك اللحظة كان أحد الفقهاء خارجا من القصر فتمسك به الرجل وطلب منه أن يبلغ رسالة الولي الصالح أبي القاسم للسلطان. أخذ الفقيه الرسالة وسلمها لأحد الحراس الشخصيين للأمير. حكى أحد الحاضرين أن السلطان لما فتح الرسالة انهمرت دموعه قبل أن يقرأها وكأنه كان يعلم محتواها. قرأها وأعاد قراءتها أكثر من ثلاث مرات تم جمع عليها قبضته قبل أن يحملها إلى جبهته مدة من الزمن. أمر الأمير الملثم بجمع المكتبة في صناديق خشبية متينة فكانت بالعشرات. طلب أن تُهيئ فرقة من أحسن الفرق العسكرية لمرافقة الكتب. في اليوم الموالي كانت مكتبة أبي القاسم تغادر مدينة مراكش يتقدمها رسوله ومعه رسالة من الأمير الملثم. كان الفصل شتاء، فصعب على القافلة أن تتوجه رأسا إلى حيث يختلي أبو القاسم. كان لا بد أن تحتاط من فيضان الوديان وأن تتجنب الشعاب. قطعت قنطرة وادي شيشاوة فقرر قائدها العسكري بعد مشاورات صعبة مع رسول أبي القاسم أن يتوجهوا إلى مرسى تفتنة وأن يصعدوا بعدها إلى خلوة السلطان عن طريق أيت داود أو الإبحار إلى أكادير كسيمة تم الوصول من جهة الغرب. وفعلا كان.
لما وصلوا يا سادة يا كرام إلى تلك المرسى لم يكن بها إلا سفينة فرنسي كانت معه رسالة من ملك الإفرنج إلى ملك مراكش يقول فيها أن هذا القبطان محط ثقة. إتفقوا على ثمن الإبحار وفضل قائد السفينة أن يسافر عند طلوع الفجر نظرا لأحوال الجو الصعبة. شحنوا صناديق الكتب وباتوا ليلتهم ضيوفا عند أحد شيوخ البلد في قرية تبعد ميلا واحدا عن البحر. ذهب جميع من كان في القافلة إلا رسول أبا القاسم الذي فضل أن يبقى في السفينة بجوار الكتب. عندما عسعس الليل أوحى الشيطان للقبطان الإفرنجي بما توحي به الأبالسة. قرر أن يرفع المرساة ويدفع بسفينته في اتجاه الشمال. عمد بحارته إلى شد وثاق الرجل الذي رفض أن يبيت بعيدا عن المكتبة. عندما أصبح الصباح كانت السفينة بين آسفي وإيمازيغن. أما ما كان من أمر الجند وقائدهم فإنهم لما وقفوا على الكارثة فطنوا إلى أن شيخ القبيلة ضالع في المؤامرة فحزوا رأسه وأجهزوا على كل حي في تلك المنطقة تم تفرقوا لينجو كل منهم بجلده.
وهكذا يا سادة يا كرام وبعد أن اقتربت السفينة من جبل طارق حاصرتها سفن حربية أسبانية واقتادتها إلى مرسى قاديش وهناك خضع جميع ركابها للاستنطاق وحصل الأسبان على رسالة الملثم إلى أبي القاسم. أما المكتبة فلقد أرسلت إلى عاصمة ملك قشتالة ولا تزال إلى اليوم هناك وأما الرسالة فكانت موضوع اجتماع بين ملك الأسبان ومجموع كبار دولته فضلا عن كبراء الكنيسة. وكأن الأمر كان يتجاوز حدود مجرد رسالة من أمير إلى ولي صالح لا سلطة له إلا سلطة الذكر والتعبد. وفعلا لقد كانت الرسالة تكشف سر الأمير الملثم وكانت من الخطورة بحيث قرر السبنيول استعمالها للضغط على سلطان مراكش. أرسلوا رسلهم وحمامهم الزاجل لجواسيسهم المنتشرين في كل بقاع مملكة مراكش يطلبون منهم فيها الاتصال ببعض رجال الزوايا المتعاملين معهم لإخبارهم بالأمر وإطلاعهم على جزء من الخطة. كان الهدف هو دفع الأمير أن يميط اللثام عن وجهه وأن يظهر للعلن في صلاة أو عيد أو أية مناسبة. لم يكن هناك أحسن من الإشاعة. شاع بين الناس خبر مفاده أن الأمير أمرد ولهذا السبب يضع اللثام حتى لا يكشفه الباقون. كان السبنيول يدفعون إلى ترويج هذه الأخبار وفي نفس الوقت يرسلون رسلهم إلى السلطان لمفاوضته على الثغور والتسهيلات التجارية والجمركية على القوافل التي تأخذ طرق الداخل.
إنتشرت الإشاعة بشكل كبير يا سادة يا كرام وحدث هرج حتى في مراكش. أخذ الناس يجتمعون في المساجد وحتى هنا بجامع لفنا ويتدارسون هل من المباح أن يحكم الناس أمير أمرد. صيغت الفتاوى واجتهد الفقيه وغير الفقيه في البحث عن نص يسند هذا الرأي أو يدحضه وتناسلت التأويلات حتى أصبح الناس يعرفون أدق التفاصيل والاختلافات بين شعر اللحية وزغب العانة أو الإليتين. طلب رأي الأطباء والحكماء وأصبح العادي يفرق بين شعر النساء والنوع منه الذي يثير شهوة الرجل والنوع الآخر الذي يجعله يتقزز ولا يقبل على الانتصاب. ذهب بعض شيوخ الزوايا في مغالاتهم، نزولا عند طلب ملح من السبنيول، إلى أن الأمرد لا يدخل الجنة ولا يقبل منه لا صلاة ولا صوم لأنه برزخي الطبيعة كالبغل وكالبراق فلا هو بالذكر ولا هو بالأنثى. هناك من سمى هذه الأيام بأيام الشعر وهناك آخرون سموها أيام الزغب نظرا لأن الأمرد حتى وإن لم يكن له شعر على ذقنه فإن من يقترب منه قد يلاحظ آثار بعضه هنا أوهناك. وصل هذا اللغط إلى حدود القصر وأصبح المطالبون بإظهار السلطان كثر وعدد المدافعين عن حجبه يتناقص. كان واضحا أن خطة السبنيول محكمة.
أصبح من المؤكد يا سادة يا كرام أن نهاية العهد السعيد آتية لا ريب. اقترح بعض العقلاء على السلطان بواسطة الرسائل على أن يخرج للناس في مناسبة من المناسبات أو أن تخلق تلك المناسبة كأن يدشن مشروع عمل خيري ما أو أن يزور ضريح ولي صالح أو أن يقوم بأي شيء يجعله يظهر للناس ولو ملثما. تسربت أخبار هذا الاقتراح إلى عملاء السبنيول فجاءهم الرد بأن يضغطوا باتجاه الخروج للصيد. وفعلا كان يا سادة يا كرام. قبل السلطان وخرج لضاحية مراكش في جيشه الجرار. كان الفصل ربيعا والجو صحو والحقول مزدانة بشتى أنواع الزهور. كان الأمير يتقدم الموكب. لما فر أرنب أمام الموكب تركت المبادرة للسلطان لكي يلاحق الطريدة لكن ما إن انطلق جواده حتى قفز أمامه أحد الأعيان المندسين وقطع الطريق على الحصان في اندفاعته فسقط. ترجل العين وبسيفه أزال لثام الأمير وأمام دهشة الجميع كان السلطان امرأة حسناء من نساء القصر. بقي قواد الجيش والأعيان وكبار رجالات الدولة مشدوهين لا يصدقون ما يرون. في هذه اللحظة قصف الرعد يا سادة يا كرام وبدأ المطر يتهاطل ومعه الويلات على مدينة مراكش بل وعلى ممالك الغرب الإسلامي كلها. لم يغفر للسيدة الملكة حكمها العادل لسنوات طويلة سمع الناس الخبر فعادت السيبة إلى هذه الأرض السعيدة ولا زالت. تم إن الناس...." تسارعت في ذهن إبراهيم أسئلة ابنه علي عن الحرب وعن الآلات الحربية كما تسارعت أيضا كل الكلمات التي قرأها عن الحرية والقدر الذي تحدث عنه موسى الحاخام. أخذ يد ابنه وتوجه نحو الغرب لا أحد كان يدري إلى أين. كان كأنه في غيبوبة عندما سمع شخصين يتحدثان: -قلت أنه غرق قبالة شواطئ ليبيا -نعم هو كذلك -وهل فيه أحد ممن نعرف؟ -إذا كنت قرأت الخبر جيدا فإن الأمر يتعلق بموسى الحاخام
PAGE \* MERGEFORMAT 5