Philosophie & Soufisme26 10 2026

ملائكة السراب (Malaikat Assarabe) — الجزء 7/9

ملائكة السراب، رواية لموليم العروسي — الجزء 7 من 9: العروسي يستفيق في ظلام دامس بعد رحلة الطيران.

ملائكة السراب
استفاق العروسي وجسمه يؤلمه. كان جالسا على ركبتيه وقد وضع جبهته على شيء صلب. كان كأنه في حالة سجود. رفع رأسه ببطء. فتح عينيه لم ير أي شيء. "لقد فقدت بصري" هكذا أسر لنفسه دون أن يرفع صوته. دخل في ظلام دامس وهو لا يعرف أين يوجد. كل ما أسعفته به ذاكرته هو أنه طار محمولا من طرف رفيقه البودالي لمدة أيام. تذكر العواصف أيضا وتذكر أن حزام السروال قد انصرم. عندما عادت هذه التفاصيل إلى سطح ذاكرته عرف أنه متروك لمصير مجهول فأحس بخوف يصعد من داخله من بين الصلب والترائب ويستبد به. وكـأنه نسي ما كان يقوله للبودالي بل وما يردده على مسامع أمه من خضوعه للإرادة العليا. تحرك فيه حب الحياة بشكل غريزي. جاءت هذه الهواجس بسرعة وتزاحمت داخل رأسه وهو يفرك عينيه. لم ير إلا لآليء تتراقص أمام بصره. لم يكن يتبين إن هي أمام عينيه أو داخل مخيلته. كاد يستسلم للأمر الوقع لولا أن تلك الأضواء المتراقصة بدأت تتضح شيئا فشيئا بل وتكبر أو تصغر ليكتشف أنها النجوم المضيئة في قبة السماء. صدرت منه قهقهة عظيمة لم يكن يدري سببها ولعلها كانت صرخة الخلاص كصرخة الطفل عندما يصطدم بالوجود المادي للحياة يوم ولادته. أحس بفرح يغمر جميع أطراف جسده وكاد يقفز إلى الهواء تعبيرا عن ذلك لولا أنه تذكر التزامه مع العناية العليا. تبين له مباشرة أنه ما كان بإمكانه ذلك لأن أطراف جسده كانت شبه مشلولة إذ لم يجر الدم فيها بشكل طبيعي منذ أيام وربما منذ شهور أو سنين. لم يكن يعلم كم من الزمن بقي على الحالة التي استفاق عليها. أحس أن عليه أن يتمشى قليلا حتى يستعيد دورته الدموية الطبيعية. ضرب بنعاله السطح الذي كان يقف فوقه فكان صخرة صلداء صماء. مشى وهو ينظر إلى النجوم وهي تسابق الغيوم. لم يكن يرى ما يحيط به رغم نور هذه الكواكب السيارة التي استطاع بفضلها أن يعرف الشمال من الجنوب والشرق من الغرب. لكن ما فائدة أن يعرف الاتجاهات فباستثناء الصلاة فلن يجديه هذا الاكتشاف نفعا. وحتى الصلاة فإنه كان قد هجرها مكتفيا بالتأمل والتفكر في الآيات البينات التي يمنحها إياه الوجود. تذكر أن البودالي أخذ طريق الجنوب وهو يمخر عباب السماء وإذن سوف تكون مراكش
شمالا؛ لكن العواصف التي لاقتهم وهما طائران يمكن أن تكون قد غيرت اتجاههم. لم يكمل تأملاته فلقد فوجئ وهو يسقط من عل. أحس الشمس تلسعه بلهيبها فاستفاق مسرعا وصار يحول بصره يمينا وشمالا عله يحصل على شيء يفهم منه أين يوجد وفي أي البلدان. لم يعرف كم من الوقت بقي مغشيا عليه بعد سقوطه. هتف به هاتف: " أصعد حيث كنت أو أنت من الخاسرين". وبالفعل كان العروسي قد نزل فوق صخرة عظيمة سوداء كأنها الجبل الشاهق ولا سبيل لبني البشر بالصعود إليها دون سلاليم أو أجنحة. أسرع إلى الصخرة يعانقها بجسده النحيل الذي لم يذق طعم الأكل منذ أن اختطفه البودالي من حفرة النار. صار يتشبث بها وكأنه يغرز أظافره في الصخر الجلمود ويتقدم إلى الأعلى وزفيره يتصاعد كأنه الرياح العاتية في هذه الصحراء المترامية. وصل إلى رأس الصخرة ونظر إلى الآفاق، لا طائر يطير ولا بشر يسير. تأمل الفيافي والقفار والعواصف الرملية التي تلوح في البعيد، تنهد وجلس على مؤخرته وكأنه اقتنع بنهاية حياته. تأمل الفضاءات الشاسعة. رأى أحجارا غريبة ونباتات لم يشاهدها لا بالأندلس ولا بصقلية حيث قضى جزءا من أيامه كما لم يشاهدها بأرض ميلاده تونس الخضراء. تعجب لآثار نهر عظيم يخرج من تحت الصخرة ويتلاشى في الرمال وكأنه يلج الأرض يشقها شقا لكي يندس في أحشاءها. أحس بالوحدة والوحشة وصعد البكاء إلى حلقه. أعاد على نفسه مرات ومرات ودون كلل ما كان يردده على مسامع أمه ومسامع البودالي. كان في بعض الحالات يردد تلك العبارات وبداخله شيء ما يقول أنه من الأفضل له أن يبحث عن حل حتى لا تأكل لحمه الكواسر التي رأى بعضها يحلق في سماء تلك الصحاري تم يختفي. بدأ الشك يساوره فلعن شياطين الأرض والسماء وسجد استسلاما لقدره. وبينما هو ساجد ودموعه تنهمر على لحيته وسائر بدنه تخشعا سمع أصواتا وجلبة وحشرجة تقترب من الصخرة العظيمة. استقام واقفا فرأى شخصا يركض بكل ما أوتي من قوة ويداه مشدودتان إلى عنقه بسلاسل حديدية غليظة متبوعا بفرقة عسكرية مدججة بالسلاح. عرف أن الجنود إسبان من زيهم العسكري. لم ينتبه إلا عندما وجد نفسه طائرا بين السماء والأرض في اتجاه الرجل المذعور. فوجئ الجنود بشيء
طائر ينزل عليهم من السماء ففروا مذعورين لا يلوون على شيء ويتصايحون كالجديان أمام الذئب. سقط العروسي عند رأس السجين الهارب. وقبل أن يتمالك نفسه أحس بشيء يلثم قدميه فكان الرجل المسكين. تراجع بعنف وبخه قائلا "قطعنا كل هذه المسافات ومخرنا عباب البحار والأجواء لتقبل أقدامنا؟ أنت الأجدر بأن تقبل قدماك". حاول الرجل الإجابة بعربية ركيكة ممزوجة بأمازيغية غريبة. انحنى العروسي وساعده على الوقوف تم طلب منه أن يتحدث بالأمازيغية. انشرح وجه السجين الهارب قبل أن يسقط مغشيا عليه. اختلطت الأمور على الولي الصالح وكأنما تلقى أمرا ما فأسرع إلى حمل الرجل بما تبقى له من قوة وسار يبحث عن ماء. كيف يمكن لهذا البحر المترامي الأطراف الجاف حتى الصمدية أن يجود بقطرة ماء. راح يجري في كل الاتجاهات و الرجل الهالك تقريبا فوق ظهره لا يتحرك. كان يجري ويحاول الحفر بقدميه وأحيانا أخرى بأظافره. يضع الرجل الذي أصبح جثة هامدة على الأرض، يجري في كل الاتجاهات، كان همه الوحيد هو إنقاذ هذا الشخص. لم يكن مدفوعا في كل هذا لا بحب البشر ولا بحسنة سوف يجنيها في أفق حياة أخرى. كان كأنه مدفوع بغريزة ما لا تتوفر لدى بني البشر. فغريزة الجائع الظمآن الذي قضى أيام وليالي في العراء خاوي الحوصلة تدفعه أولا إلى التهام الحيوان الأول الذي يصادفه. كان يجري في جميع الاتجاهات، مرة يطرح الرجل أرضا ومرة يحمله وهو يقلب الرمل بنعاله عله يعثر على بلل ما. خارت قواه وسقط على وجهه مغشيا عليه والرجل فوق جسده. أحس بانتعاشة وكأن ريحا باردة تداعب جبهته وشعر لحيته الكث. استفاق مسرعا فكان الماء ينز ببطء وكأنه يقاوم شيئا ما للخروج إلى سطح الأرض. أزال الرمل بسرعة فتفتقت العين وسال الماء مدرارا. انتبه أن السجين الهارب لا زال فوق ظهره فأسرع إلى سقيه بالماء. وضع وجه الرجل داخل منبع الماء وسار يرفعه ثم يغطسه حتى عاد إلى الحياة. فتح الرجل عينيه وحاول ثانية أن يقبل رجلا العروسي فنهره بعنف. تساءل الرجل: "أين أنا؟"، فأشار العروسي إلى الصخرة التي لم تكن تبعد إلا بعشرات الأمتار عن العين الجارية. لأول مرة وجد العروسي نفسه ينظر إلى الرجل في حقيقته. كانت يداه
مغلولتين إلى عنقه. مد الولي يده إلى السلاسل لمعرفة طبيعتها فتفتت كأنها كانت مصنوعة من عجين. ارتمى الرجل ثانية على قدمي العروسي. صاح في وجهه بأمازيغية منمطة مفهومة من طرف جميع سكان نوميديا من برقة وأعالي النيل إلى جزر بحر الظلمات. طلب منه عوض أن يلح ويبالغ في الإلحاح على تقبيل القدمين أن يبادر إلى سرد قصته وسبب ملاحقته من طرف الجنود الأسبان على هذا الشكل وبهذا العنف. سأله الرجل كيف عرف أن الجنود كانوا من الأسبان. -أعرفهم لأنني رأيتهم يقتلون المسلمين واليهود الفارين من الأندلس ويرمونهم بالبحر -ولماذا لم تتدخل كما تدخلت لإنقاذي -لأنني لم أتلق الأمر كما تلقيته بالنسبة لك تطلع الرجل إلى وجه العروسي وظهر أنه لم يفهم ما قاله بشأن تلقي الأمر...لم يمهله العروسي وألح عليه في سرد قصته. -أنا اسمي العروسي، ما سمك أنت؟ -اسمي أمقران، هذا اسم غير متداول في جزر كناريا لكن أمي من شمال نوميديا وهي التي ألحت على تسميتي هكذا. -تفضل يا أمقران وارو لي قصتك إذن.
"…أيه الرجل الطيب، أنا من شعب الغوانش. وبلادي هي جزيرة تينيريفي كبرى جزر الكلب كما يسميها النصارى الأسبان وحيث يسكن الغوانش. نحن شعب مسالم هجر الحروب وويلاتها منذ آلاف السنين وبنى حضارته هناك فيما وراء بحر الظلمات. لم نكن نؤذي أحدا أو ننازع أحدا في السيطرة على العالم. وحتى لما وصل الإسلام إلى بقاع نوميديا فضل بنو عمومتنا الذي ظلوا يحكمون اليابسة الممتدة إلى حدود مصر أن لا يفرضوا علينا الديانة الجديدة. وهكذا فمنا من اعتنقها ومنا من بقي على دين أسلافه. ولم تنبت بينا التفرقة بسبب تعدد المعتقدات. جاورت الكنائس معابد آلهة الشمس وغيرها. أنا كنت من المسلمين لكنني لم أنسى أبدا العبادات القديمة التي ظلت حية بيننا. بل إن هناك من كان يحتفل بالأعياد اليهودية والمسيحية والإسلامية إلى جانب الأعياد التقليدية لشعبنا. ما كان يهم شعبي هو الاحتفال لأنه مهما تعددت المعتقدات فإن أساسها كان هو تحية الأشجار والمياه والبحر والعواصف والحيوانات والحيتان وكل ما يهبنا الحياة أو التودد لمن يمنعها عنا. لم يكن لدينا الوقت لقتال بني جلدتنا بل بالعكس كنا نرى فيهم أولياء لنا للدفاع عن أنفسنا.
هاجمتنا شعوب وقبائل منهم من عرفناه ومنهم من لم نرى حتى وجوههم. كانوا يأتون إلينا في الظلام أو يكتفون بإرسال نبالهم أو كرات المنجنيق دون أن يصلوا إلينا. هاجمتنا شعوب بابل وفينيقية ورومان منهم من استطعنا صدهم لوحدنا ومنهم من استعنا على دحره بطلب النجدة من بني عمومتنا قبائل نول لمطة وصاغرو آيت باعمران وغيرهم. إلى أن ظهر علينا هذا الرهط الذي لم نكن نعرفه ولم نر مثله من قبل. قبل الدخول إلى أرضنا أشعلوا النار في الجو والأرض والمياه. هاجمونا ليلا بغدر وخيانة لم نعرفهما في السابق. كان العدو يخبرنا ويخيرنا بين الاستسلام أو الحرب لكن هذا الصنف من العدو لم نعرفه من قبل. أحرقوا الحقول والغابات وأتوا على الأخضر واليابس. كانوا يقتلون المسلمين و اليهود منا بالخصوص ويهدمون بيوتهم وأماكن عبادتهم. ثم يعتقلون غير المسلمين فيقطعون ألسنة النساء والرجال ويأخذون الأطفال إلى حيث لا ندري. كانوا يسرعون في تشييد صروح كنائسهم على الطريقة الإغريقية والرومانية التي كنا نعرفها لكننا لم نعهد هذا العنف من طرف الإغريق والرومان ولا من سبقهم إلى هنا. لقد رأيتهم يرمون الأطفال داخل أفران الخبز وهم يستمتعون برؤيتهم وهم يحترقون. رأيتهم يبقرون بطون النساء ويقطعون أيور الرجال من الأصول. لم يسلم من بطشهم إلا بعض المسيحيين القلائل الذين اعتبروهم إخوة لهم بينما اعتبروا كل ما عدا ذلك أوباش تحسن تصفيتهم."
كان أمقران مسترسلا في حكيه والعروسي يردد صلوات غريبة لا علاقة لها بما كان يسمع. فبينما كان الأول يحكي عن أمور حربية و أخرى قتالية كان الآخر يتمتم بشيء لم تكن له علاقة بالواقع من قبيل: "هو، هو"، "الحب وليس إلا الحب"، وعبارات أخرى غير مفهومة. كان العروسي قد دخل في جدبة لا نهائية جعلت أمقران يتوقف عن الكلام ظنا منه أن الولي الصالح أصيب بمس من الجنون. لم يجرؤ على إيقاظه من حالته. التزم الصمت وبقي يرقبه. نهض العروسي وسار يحرك أطراف جسده يتمايل ميمنة وميسرة إلى الأمام كما إلى الخلف ولسانه لا يفتر عن ذكر :"هو، هو.."، رددها حتى انقطع نفسه وسقط مغشيا عليه وجسده غارق في العرق. أسرع أمقران الماء ملء كفيه ويضعه على جبهة الولي ويمرره على ما ظهر من جسده. استفاق العروسي وطلب من الرجل أن يكمل روايته.
"...فهمنا أن هذه الأقوام جاءت لإبادتنا أو استئصالنا من أرضنا. التجأت مع بعض من رجال ونساء قبيلتي إلى إحدى الكنائس. قبل القساوسة حمايتنا وتقديمنا على أننا مسيحيين. هذا ما سمح لنا بمشاهدة فضائع الجنود القتلة بل وفهم مقاصدهم. سمعنا من الجنود أنفسهم أن الأطفال كانوا يباعون كعبيد في بلاد بعيدة توجد بعد مغرب الشمس يدعون أنهم اكتشفوها وأبادوا أعداد وافرة من ساكنتها وهم بحاجة إلى من يشتغل بالحقول. عمدوا إلى تشغيل الرجال الذين قطعت ألسنتهم في سفنهم الذاهبة إلى الشرق ببلاد السند والهند. أما الباقي فإنهم كانوا يأتون بهم إلى هذه الصحراء ويتفنون في التنكيل بهم قبل قتلهم وترك جثثهم فريسة للكواسر التي تجوب أجواء هذه البلاد. بقينا على تلك الحال عند القساوسة نشتغل معهم في كنائسهم أو بعض الأديرة الموجودة خارج أسوار البنايات على أنه حدث ما لم يكن في الحسبان. في احد الأيام وبينما كان أحد أطفالنا يتبول خارج الكنيسة بجانب جدار، باغته أحد الجنود. قبض عليه وكان ينوي أن يؤدبه وذلك بوضع قطعة حديد حارقة على أيره، لكنه اكتشف أن الطفل كان مختونا ففطن أنه إما يهوديا أو مسلما. قطعوا لسان الطفل وطلبوا منه أن يدلهم على والديه. وهنا بدأت المأساة. من المستحيل سيدي أن أصف لك قسوة هؤلاء الناس.
طلبوا من الجميع أن يزيل ثيابه، الأب أمام ابنه وبنته وكذلك فعلوا بالنساء والأطفال والشيوخ، بل لم يسلم من هذا حتى الرهبان والراهبات. كان الناس كأنهم في يوم الحشر عرايا لا يسترهم ولا خيط واحد. جاء كبيرهم وخطب فينا قائلا: " أعرف الآن أنكم جنس غير مأمون الجانب. فالغدر يجري دما في عروقكم ولن يغير الدين المسيحي شيئا من كل هذا. لن أبعث بكم إلى أمريكا سوف أضع نهاية لقصتكم وذلك بتصفية عرقكم نهائيا. سوف ينتهي تاريخكم هناك"، قالها وأشار بيده جهة الصحراء. بعدما أنهى كلامه عمد جنده إلى الرهبان وساروا يتلاعبون بخصيهم وأيورهم قبل أن يقطعوهم والمساكين يصيحون ويتلوون من الألم؛ وفي الأخير أجهزوا عليهم وجزوا رؤوسهم بفؤوس غليظة. انتقلوا بعدها إلى الراهبات وعاثوا فيهن فسادا. استحيي سيدي من رواية ما رأيت". أشار الولي بيديه طالبا منه حكاية كل ما رآه حتى يبقى للأجيال اللاحقة.
" كان أحدهم يطلب من الراهبة أن تجثو على ركبتيها تم يخرج أيره ويطلب منها أن تمصه تحت التهديد بقطع رأسها بساطور. كانت المسكينة تمتثل للأوامر والدموع تنهمر من عينيها كأنها السيول الجارفة. وهكذا فعل كل واحد من الجند مع باقي الراهبات. وعندما كان المص يهيج غلمة هذه الوحوش كانوا ينقضون على هؤلاء الشريفات ويأتونهن من الدبر كما تأتي الحمر آثانها. أعوذ بالله من ذكر هذه الفواحش في حضرتك سيدي. وكانت كل من هذه الوحوش وعندما يقضي وطره من راهبة إلا و لوى عنقها ليا قبل أن يكسر رقبتها. بعد ذلك طلب منهم رئيسهم أن يرموا بجثث القتلى المسيحيين في حظيرة الخنازير قبل أن يلتفت إلينا نحن المسلمين واليهود قائلا: " لا أريد قطرة دم من أحدكم تسيل على هذه الأرض. لا أريد أن تظل أرواحكم تحوم في هذه الجزر"، تم توجه إلى جنده "خذوهم هم ومن بقي معهم من المسيحيين واليهود، ضعوا السلاسل في أعناقهم والقيود في أرجلهم تم اقطعوا بحر الظلمات إلى أن تصلوا اليابسة من أرض المورو ويعني بها المغرب. بعد ذلك اتركوهم يمشون وأنتم وراءهم إلى أبعد نقطة داخل الصحراء وهناك نكلوا بهم ما استطعتم. هم لكم."
أركبونا سفنا ضخمة ورافقنا جنود شداد غلاظ تقشعر من رؤيتهم الأبدان. قبل أن نصل اليابسة هلك عدد كبير من الشيوخ والأطفال والنساء ومع ذلك فقد عمدوا إلى جز رؤوسهم واحدا تلو الآخر بل وذهب بهم شذوذهم إلى ممارسة الجنس على الجثث. عند الشاطئ لم يستطيعوا إنزال خيولهم وصعب عليهم إنزال الجثث كذلك. تدبروا أمرهم بينهم وبعد ذلك رموا الجثث في البحر وساقوا من بقي حيا نحو زمهرير الصحراء. سرنا أياما نظرا لما كنا نحمله من سلاسل وقيود. ومع مرور الأيام سار أهلنا يتساقطون تباعا. بدأ ماء وزاد الجنود ينفد وأخذ التعب منهم مأخذا. لم يبق منا إلا ثلاثة مسلمان ويهودي. لما تراءت لنا هذه الصخرة العظيمة من بعيد تحدثوا بينهم بلغتهم التي كنا نعرفها وقالوا ما مفاده أنهم سوف يعقروننا كالنوق بمجرد الوصول إلى الصخر ويتركونا هناك عرضة للأفاعي والغربان. بدءوا بإزالة القيود من أقدامنا حتى نسرع بالسير ويستطيعون هم العودة إلى أقرب نقطة مائية قبل غروب الشمس. هنا لفظ اليهودي المسكين أنفاسه الأخيرة وفر المسلم مسلما ساقيه للريح قبل أن يقبضوا عليه. تركتهم منهمكين في التنكيل به و توجهت نحو الصخرة أعدو بكل ما أوتيت من قوة ولم أنتبه إلا وحضرتك نازل من السماء لإنقاذي"
بكى الولي الصالح مدة طويلة حتى ابتلت الرمال من دمعه وأصيب أمقران بهول كبير خوفا على سلامة العروسي العقلية والجسدية. عندما انتهى جفف دموعه وطلب من أمقران أن يدله على المكان الذي مات فيه اليهودي وربما عذب المسلم حد الموت. أخذ الولي ثيابه وبللها بالماء تم سارا يمشي ورفيقه أمامه إلى أن وصلا حيث كانا الرجلان ملقيان فوق الرمل بدون حراك. تقدم العروسي ووضع يده على وريد اليهودي فأحس نبضه. أسرع وعصر ثيابه في فم اليهودي فبدأ بفتح عينيه تم أغمي عليه ثانية. لا علينا سوف نستطيع إنقاذه، يجب أن نهتم بالثاني أيضا. رفع رأس الرجل الملقى على الأرض فوجد سيلا من الدم ينغرس في الرمال وكان جثة هامدة. أخذ ثيابه وعصر كل ما كان فيها من ماء في فم اليهودي وسار يضرب ضربات خفيفة على وجنتيه ويناديه باسمه، إلياس. فتح الرجل عينيه واطمئن إلى العروسي. ثلاثة داخل هذا البحر المتلاطم من الرمال. حمل الرجلان اليهودي المتهالك واصطحباه إلى تحت الصخرة. طلب الولي أن يبقى الاثنان على أن يذهب هو للبحث عن أكل. لم يعد إلا عند قعر الليل ومعه لحم مشوي وخبز يابس وبعض التمر. - أين حصلت على كل هذا؟ ليس هناك بالقرب ما يدل على الحياة فكيف بالأكل ساخنا؟ - لقد ذهبت في هذا الاتجاه وفق غريزتي وتوفقت في ذلك.
لم يكن العروسي يدري أنه منح كرامة طي الأرض التي يقال أن الأولياء الصالحين يمتلكونها وتسمح لهم بقطع مسافات طويلة في بضع دقائق. من مثال ذلك مولاي عبد الله آمغار دفين مدينة تيط قرب إيمازيغن الذي يقال أنه كان يصلي كل جمعة في مكة ويعود ومعه دلوين من ماء زمزم وقبعة جلبابه مملوءة برمل مكة وهكذا استطاع بناء صومعة مسجده التي لا زالت قائمة إلى الآن. على أن العروسي لم يكن قد قال شيء لرفقائه فلقد كان يمشي وهو يردد الآية الشهيرة " اخلع نعليك إنك في الوادي المقدس طوى"، كان يعتبر أنه يعيش تجربة موسى وهو يبحث عن قبس من نار. كان يفعل هذا مدفوعا بشيء لا يعرفه هو نفسه، أهو حب بني جلدته؟ أم حب الكائنات أيا كانت؟ لم يكن يدري. إنه فعلا في الوادي لكنه بدون ماء ولا زرع. لقد كان موسى مدفوعا بحبه لأهله أما العروسي فإنه منذ غادر تونس لم يكن يعرف ما الذي يدفعه لفعل أشياء دون أخرى.
عادت الحياة تدب في عروق أمقران و إلياس وأحسا بالأمان بجوار هذا الرجل الغريب. لم يصدق إلياس في البداية ما رواه له أمقران عن الكيفية التي طرد بها العروسي كتيبة الأسبان، لكن إلحاح الرجل جعله يقر بذلك بل ويضيف أن هذا لا يستطيعه إلا ملك أو جان. فما كان من أمقران إلا أن أقر بالمعجزة لكنه كان يفضل أن يكون الرجل شيطانا أو جانا على أن لا يكون إسبانيا. على طول اليوم كان الكناريان يقضيان وقتهما في تضميد جراحهما والبكاء على أهلهما وهما يتنقلان في ملاحقة ظل الصخرة هروبا من لهيب الشمس. أما العروسي فكان يغيب النهار كله تم يعود محملا بالطعام لرفيقيه وبينما كان الرجلان ينقضان على الأكل كان هو يستغرق في الصلاة والتعبد حتى الصباح. وذات يوم لم يعد عند المساء كالمعهود. أحس الرجلان بوحشة رهيبة وعاودتهما وساوس الخوف من الأسبان. حاولا الصعود لأعلى الصخرة كما رأيا العروسي يفعل لكنهما لم يستطيعا إلى ذلك سبيلا. اقترح أمقران أن يبتعدا عن الصخرة حتى لا يهتدي إليهما أحد لكن إلياس رفض بدعوى أن الرجل الذي أعادهما إلى الحياة لا بد وأن تكون له القدرة على حمايتهما. باتا ليلتهما عند جدع الصخرة وعيونهم مفتوحة تحملق في الليل البهيم. لكن الحر والتعب المتراكم على جسديهما منذ غزو الأسبان لجزرهما جعلهما ينامان نوما عميقا لم يوقظهما منه إلا غثاء خرفان وصياح جديان.
استفاقا مذعورين ليجدا نفسيهما وجها لوجه مع العروسي وبمعيته سيدة إفريقية سوداء وهما يسوقان قطيعا من الماشية. ناداهما: تعال يا إلياس وأنت يا أمقران خذا هذه الألبسة وغيرا ما عليكما وانسوا نهائيا قصة الأسبان فلقد دونتها للأجيال اللاحقة. سوف نبني حظيرة لهذا القطيع ونحاول تأسيس حياة جديدة على هذه الأرض السعيدة التي سميتها الساقية الحمراء. من أين جئت سيدي بهذه الملابس؟ إنها من بلاد كاو لقد كنت أسافر إليها للتجارة مع والدي إنها بعيدة من هنا. هكذا تكلم إلياس وعلامات العجب بادية على محياه. لا ليست بعيدة إنها هناك وراء الرمال، وعائشة العزيزة تعرف ذلك إنها من هناك لكنها لا تعرف العربية إنها تتكلم أمازيغية غير مفهومة يسمونها هناك تماشيخت. لقد زوجتني إياها قبيلتها وسوف تقيم معنا هنا. هنا أين سيدي؟ تحت هذه الصخرة؟ هذا لا يليق بمقام زوجة سيدي سوف نبني لها بيتا. ابنوا البيت للقطيع أولا ففيه صلاح حالكم أما عائشة فإنني كفيل بها وربما هي تعرف تدبير أمورها أكثر منا. أكل إلياس و أمقران من الطعام الذي جاء به العروسي وعائشة تم قاما يجمعان شتات الصخر المتناثر فوق الرمال ويصفانه ليرتفع الجدار رويدا، رويدا قبل أن يصبح حظيرة محكمة. قررا، وفي انتظار أن يعثرا على خشب أو سعف نخيل لصنع الباب أن يناما عند البوابة حتى يمنعا الخرفان والجديان من الخروج ليلا. كانت عائشة قد جاءت معها بدقيق الدخن تخلطه بحليب الماعز وتطعم الجماعة مرة واحدة في اليوم. كان الرجلان يستفيقان عند الفجر تم ينهمكان في جمع الأحجار قصد بناء بيت عائشة أما العروسي فيبدو أنه كان قد قرر أن ينسحب إلى أعلى صخرته وكلما نادوه قال لهم أنه لم يحصل على الإذن بعد. بقي على هذه الحال إلى اليوم الذي أكمل فيه أمقران و إلياس بناء البيت. عندها قال أنه هتف به هاتف أن انزل واقض الليلة في بيتك الجديد. لما أصبح الصباح كان العروسي قد اختفى وعائشة تغني في سعادة ظاهرة. تبادل الرجلان النظرات وكبتا ابتسامة ماكرة وكأنهما فهما نفس الشيء. لم يستطيعا سؤال عائشة عن الولي ولم تكن حالتها تدل على أن مكروها ما قد حصل. تابعا عملهما بانتظام وكأنهما قررا تعمير المنطقة.
بعد ثلاثة أيام كاملة سمعت عائشة صياحا وجلبة وأصوات حيوانات تقترب من الصخرة وبيوتها الحجرية من جهة الغرب فأسرعت تتمتم في لغتها غير المفهومة وتشير إلى جهة مغرب الشمس. توقف الرجلان عن العمل وتوجها ببصرهما جهة مصدر الأصوات ولكن نور الشمس التي كانت تشرف على الغروب منعهما من التحقق من الوجوه والحيوانات. وفي وراء الغبار رأى تعرف أمقران على العروسي وهو يمتطي بغلة وحوله جماعة من الناس الغرباء. ترجل العروسي وبعده الجماعة الذي كان تبدو عليهم علامات الغنى وسارع جماعة منهم إلى نصب خيام وأشاروا إلى واحدة فهم أمقران أنها للولي. بادر أربعة أخر إلى القبض على خرفان وجديان وقدموها للعروسي عند أقدامه. لم يهتم العروسي بل اتجه نحو عائشة وابتعد معها قليلا وهو يكلمها. كانت تبدو عليها علامات عدم الرضا عن شيء ما. كانت جماعة الغرباء منهمكة في سلخ وتهيئ الذبائح عندما نادى الولي إلياس وأمقران واتجه وإياهما خلف الصخرة. هؤلاء الناس من أهم قبائل تكنة التجمع الأكبر اليوم بغرب جبل باني. سوف نصبح جيرانهم ولا بد من التحالف معهم. هم يطلبون أن أتزوج إحدى بناتهم. ما رأيك يا إلياس؟ هذا هو الصواب، إنهم يؤمنون الحماية لنا. ولكن عائشة لم تفهم ذلك وتصر على أن أعيدها إلى أهلها إن كنت مصرا على الزواج. ولماذا لا يذهب أحدنا لإحضار أفراد عائلتها فربما يستطيعون إقناعها. لقد قلت لك عندما عاد الولي من هناك أن هذه الأرض بعيدة مسيرة شهر ولا يمكن لأحدنا أن يصل إلى هناك لوحده.
فهم العروسي أن الأمر أكثر تعقيدا مما كان يظن واتجه نحو أحد أفراد القبيلة الذين رافقوه إلى حدود صخرته وشوهدا وهما يتشاوران لمدة زمنية غير قصيرة. تم أشار بيده إلى إلياس وأمقران أن اقتربا وكذلك فعل الشيخ مع مرافقيه. كان يظهر أن الأمر بالغ الأهمية. تحلق الجميع وقد اقتعدوا الرمل وكانوا يتكلمون بصوت مرتفع بحيث أنه كان بإمكان عائشة أن تسمعهم. خلصوا بعد مشاورات طويلة إلى أشياء عديدة لم يتحصل منها في المخطوطات التي وصلتني إلا الآتي: أن يتأجل زواج العروسي من قبيلة آيت لحسن، هكذا كان اسمها، إلى أن يسافر الولي إلى بلاد كاو برفقة عائشة ويعود بموافقتها على الزواج الثاني. أن يسافر أمقران و إلياس مع أفراد القبيلة إلى نول لمطة ليرى الأول هل بإمكانه أن يتعرف على سيدة بينهم يمكن أن تصبح شريكة له في الحياة وأن يسافر الثاني إلى إيليغ، لمقابلة الحاخام هناك حتى يستطيع الزواج على طريقة دينه. كان الأمازيغ اليهود متواجدون في كل تلك المناطق لكن السلطة الدينية كانت متمركزة في أماكن محددة. بات القوم هناك يستمعون إلى العروسي وهو يحدثهم عن أهوال السفر التي لاقته وهو في طريقة إلى أرض الميعاد، هكذا كان يسمي منطقة الساقية الحمراء التي نزل بها من السماء. كان يتحدث عن الصعود والارتقاء فتدور أعين مستمعيه كالكريات داخل جماجمهم لا يعرفون هل يتعلق الأمر بعلم خاص لا يفقهون فيه شيئا أو أن الولي يصاب بشكل متقطع بنوبات مس لا يستطيع لدفعها سبيلا. بقوا متحلقين حوله حتى غلب النوم جفون عائشة فقام العروسي وحملها بين ذراعيه واختفى داخل الخيمة التي نصبت لهما. تفرق الباقون ودخلت كل جماعة إلى الخيمة المحددة لها. وفي اليوم الموالي سافر أمقران و إلياس مع جماعة قبيلة آيت لحسن، بينما بقي أربعة شبان مع العروسي وعائشة للاهتمام بالماشية وحراسة المخيم.
في اليوم الموالي استفاق الشبان الأربعة قبل الفجر. كانوا يعرفون أن الولي غير مرتبط بالشمس ولا بدوارات النجوم لكي يصلي. كان يمكن أن يصلي في اتجاه الشرق كما في اتجاه الغرب ويقول أينما وليت وجهك فتمة العناية العليا ترقبك بل إنها أقرب إليك من حبل الوريد أو لعلها تنبعث من داخلك. ثق بنفسك وأنصت إليها ففيها ما لا يمكن لأحد الإتيان به. كان يقول لمن يسمعه: " صل عندما تسمع نداء داخليا يدعوك لذلك، لا تصل خوفا أو طمعا، صل لنفسك أولا تم لمحبوبك". وعندما كان يسأل عن من هو المحبوب؟ كان يجيب :"كل من أحسست بنقلك لمكان غير الذي أنت فيه عند سماع اسمه، كل من يسبح قلبك باسمه عند سماع صوته، كل من يتراءى لك في الماء الذي تشرب والأرض التي تمشي عليها والهواء الذي يسري في عروقك، كل من انتفت هويته وهويتك وأصبحتما إنية واحدة". لم يكن الشباب الأمازيغ يفهمون من هذا الكلام الشيء الكثير لكنهم ككل من جالس العروسي كانوا يثقون به ويقولون أنه لا يقول إلا الحق. صلى كل منهم لوحده ومنهم من لم يصلي نهائيا ربما لعدم سماعه ذلك الصوت الذي تكلم عنه الولي وربما لشيء آخر. بدأت أشعة النور تظهر مع التباشير الأولى للفجر وصارت تنتشر على الصحراء وبدت الصخرة العظيمة و هي تتخلص من ظلمة حالكة تميل إلى الزرقة، وكأنها تتخلص من جلدها الذي لبسته لقرون. لف النور حظيرة الدواب والمخيم بأكمله. كانت خيمة العروسي مفتوحة وبغلته غير موجودة. حاول الشبان النداء عليه لكنهم لم يعرفوا اللقب أو الاسم أو المرتبة التي سوف ينادونه بها. أخذ منهم ذلك وقتا طويلا قبل أن يقترب أحدهم من الخيمة وينادي " يا للاة عائشة"، كررها ثلاثة مرات فلم يجبه أحد. عندها اقتحموا المكان الحميمي للعروسي فلم يجدوا أحدا. لم يلزمهم وقت طويل لكي يفهموا أن الولي ربما سافر لبلاد كاو صحبة زوجته عائشة.
حرر الشبان القطيع من حظيرته وساقوه حيث يمكن أن يلتقط بعض الأعشاب اليابسة التي استطاعت مقاومة العدم السرمدي. لم يكونوا يعرفون المنطقة جيدا ولذا لم يغامروا بالابتعاد كثيرا عن الصخرة العظيمة لاسيما وأن النقطة المائية الوحيدة التي يعرفون هي تلك التي اكتشفها العروسي وهو يحمل أمقران على ظهره و يركض في الفلاة. لم تكن علاقتهم بالصحراء حديثة العهد لكن هذه المناطق كانوا يعرفونها في قصص جداتهم. كن يحكين لهم أن كل الشرور تأتي من الشرق وأن الشرق بيت النار وأن كل من سكنه أو اتجه إليه قسا قلبه كالصخر الجلمود. كل الغيلان وكل الحيوانات المفترسة وكل الأفاعي والثعابين العظيمة كانت تجد أصلها في هذه الأرض وفق حكايات الجدات. كان هؤلاء الشبان ورغم شجاعتهم الحقيقية أو تلك المفروضة عليهم من خلال تحميلهم هذه المسئولية يتقدمون في هذه الفيافي وهم يترقبون الخطر الداهم. كانوا صامتين وكل منهم يفكر في كيفية الخلاص بجلده إن هو وجد نفسه وجها لوجه مع تلك المخلوقات المخيفة التي تصفها الروايات. لم ينتبهوا إلى أن القطيع قادهم إلى مكان بعيد عن الصخرة العظيمة. لم يكونوا يعرفون أن الصحراء بإمكانها أن تبتلع كل حي إذا هو لم يتعامل معها بحذر. التفتوا يمينا وشمالا، شرقا وغربا لكنهم لم يروا للصخرة العظيمة أثرا. أصابهم الذعر وصاروا يتراكضون في كل الاتجاهات ويصعدون كثبان الرمل علهم يقفون على شيء يدلهم على الطريق.
قرروا أن يسيروا في الاتجاه المعاكس للشمس على اعتبار أنهم ساروا غربا عند مغادرتهم لمكان الصخرة. لم يكونوا يعرفون أنهم يبتعدون عن مقر إقامة الولي. صاروا إلى حدود نهاية النهار ثم قرروا التوقف عن المسير والمبيت قرب عين جارية وبعض النخيلات وأشجار الشوك. قرروا أن لا يناموا حتى لا يستغفلهم اللصوص. كانوا محاربين أشاوس لكن خوفهم الطفولي من الجن والمخلوقات اللامرئية كان يستبد بهم ويزرع فيهم هلعا كبيرا. اتفقوا على أن لا يضرموا النار إلا صباحا وأن ينتظروا خلاصا من السماء أو من الولي العروسي عله يبحث عنهم. لم ينتبهوا إلى أن الكليبة التي كانت ترافقهم تسللت من خلال القطيع وراحت تتبع غريزتها الحيوانية بحثا عن الأكل. وفعلا وصلت إلى مكان تجمع فيه عدد من المحاربين الذين توقفوا عند عودتهم من إحدى غزواتهم ببلاد السودان عند واحة صغيرة غير بعيد عن مكان تواجد الشباب الأمازيغي. كان المحاربون قد عادوا بخفي حنين من سفرهم الطويل لذا استبشروا خيرا بهذا الحيوان الوديع الذي عرفوا كيف سيجعلونه يدلهم على رعاة القطيع. أحكموا عودا مشتعلا على ذيل الكليبة وتبعوها في الظلام الدامس. لم يكن بوسع الشباب رغم شجاعتهم أن يصمدوا أمام كتيبة مسلَّحة ومجرِّبة. فطن أحدهم إلى أن المحاربين عربا وأنه بإمكانهم إقناعهم بتركهم لحال سبيلهم فقرر أن يخبرهم أن القطيع في ملك الولي العروسي صاحب الساقية الحمراء. لم يكن يعرف أن هذه المعلومة سوف يكون لها تأثير كبير على المنطقة كلها.
عندما سمع المحاربون هذا الكلام اقتادوا الشبان والقطيع عند شيخ قبيلتهم إذ هو الوحيد المخول للبت في مثل هذه الأمور. لما مثلوا أمام الشيخ في اليوم الموالي حكوا له كيف أن الحيوانات هي التي كانت دليلهم ودليل محاربيه لكي يجدوا أنفسهم بين يديه. طمأنهم الشيخ وأكد لهم أن الحيوانات حدد مصائر أقوام وحضارات على مر التاريخ. وأن مسجد ودار رسول الإسلام حددته ناقته وليس عقل أو توافق البشر. لذا ربما كان في ذلك خيرا لكم ولنا. حكى له أحد الشبان في أمازيغية تتداخل فيها العربية بالقشتالية عن الولي العروسي صاحب الساقية الحمراء وعن كراماته وعن الكيفية التي أنقذ بها أمقران وإلياس من الموت المحقق وعن الحالات الغريبة التي تنتابه...كان الشاب يتكلم وعلامات التأثر تزداد على وجه الشيخ. -وما علاقتكم أنتم بالولي؟ -نحن من قبيلة أيت لحسن قائدة لف تكنة ولقد تحالفنا مع الولي وسوف يتزوج سيدة من قبيلتنا -ما معنى سوف يتزوج؟ هل هناك موانع؟ لماذا لا تقول تزوج؟ -الشيخ الولي متزوج من السيدة عائشة من بيت نبيل من قبائل السودان، والسيدة عائشة لم تقبل أن يتزوج العروسي عليها لذا أخذها عند أهلها حتى يفاوضها على الزواج بامرأة ثانية. ومتى ذهب إلى السودان؟ -منذ يومين ولقد شرح لنا إلياس وأمقران أنه يصل في اليوم نفسه ويعود في اليوم الموالي لذا علينا أن نعود إليه.
فهم الشيخ أن هناك أحلافا تتكون حول الولي النازل من السماء وأن الطرق ربما تصبح مقفلة في وجه قوافل قبيلته وحلفاءها، كما رأى في التحالفات الجديدة إمكانية فك ارتباطه الاستراتيجي مع شيخ هسكورة الذي أثقل كاهل الناس بالضرائب على حماية لا يقوم بها أصلا. نادى الشيخ عقلاء قبيلته وتطارحوا الأمر ما يقارب الساعتين ثم أرسل في طلب شيوخ قبائل حلفه واجتمع ليلة كاملة. تعجب شباب قبيلة أيت لحسن من الحفاوة التي قوبلوا بها ومن الاهتمام الفائق بهم. في اليوم الموالي جيئ بجمال وضعت رهن إشارة الشباب الذي تعجبوا عندما رأوا قطيعهم تضاعف بأعداد كثيرة ورأوا في نفس الوقت شيوخ القبائل المنضوون تحت حلف الشيخ الذي استضافهم يركبون خيولهم ويسافرون معهم. ما أثار انتباههم أيضا هو هودج بداخله فتاة كانت ملثمة لكن ما كان يحيط بها من أثاث ولباس كان ينبئ بأنها عروسة.
تحركت القافلة متثاقلة وهي تسير نحو الغرب. لم يكن أحد يعرف المكان بالضبط لكن توصيف الشبان لحالة النجوم في جل أوقات اليوم جعلت المجربين من القبيلة يعرفون الوجهة على وجه التقريب. طلبوا من الشبان كيف جاؤوا من موطن قبيلتهم إلى الصخرة وبحسابات دقيقة فهموا أنهم حتى ولو أخطئوا مكان الولي فإنهم سوف يتقاطعون مع الطريق التي سلكها وفد أيت لحسن وعند ذلك سوف يتعرف الشبان على الطريق. وفعلا كان. لما لاحت لهم الصخرة العظيمة من بعيد أحس الشيخ وكأنه يقترب من الأماكن المقدسة فانهمرت دموعه وصار يتحرق شوقا لقاء الولي. عندها ترجل وكذلك فعل الباقون وأصر على أن لا يركب دابة ما دام في حرم الصخرة. لم يبق من راكب إلا السيدة داخل هودجها. وبينما هم سائرون لاح لهم شخص يتقدم راجلا نحوهم حتى عندما اقترب وصار بإمكانهم التعرف على وجهه صاح الشبان: " إنه الولي، إنه الشيخ العروسي". كان العروسي حافي القدمين يمشي متواضعا للترحيب بضيوفه. سقط شيوخ القبائل على وجوههم وهم يمشون على ركبهم لتقبيل الأقدام الشريفة. اشمئز العروسي ونهاهم عن ذلك قائلا:" أنتم الآتون إلينا، نحن الذين نقبل أقدامكم".
طلب شيخ الحلف ملاقاة العروسي على انفراد قبل أن ينضم إليه بقية شيوخ القبائل ودام النقاش لساعات كان خلالها شباب أيت لحسن وشباب القبائل الأخرى قد هيئوا الذبائح وتكلف الطباخون بإعداد الطعام. كما انشغل آخرون بنصب الخيام وبسط الزرابي. أصبحت منطقة الصخرة العظيمة آهلة بالسكان والدواب. كما نصبت خيمة حمراء أدخلت إليها السيدة التي سافرت في الهودج. وقبل الإعلان الرسمي عن الأكل نادى العروسي أحد شبان أيت لحسن وطلب منه أن يسافر إلى قبيلته مع اثنين من القبائل العربية ويطلبوا من شيوخ تكنة الحضور. تناول الشباب الثلاثة أكلا خفيفا ثم امتطوا الجمال وانطلقوا كالسهام جهة الغرب. بعد الأكل طلب شيخ القبائل العربية من الولي أن يؤم الصلاة فلم يجبه هذا الأخير بل توجه إلى صخرته وتسلقها كأنه يمشي على بساط رملي واختفى عن الأنظار. أخفى الكل عجبه وصلوا كعادتهم التي تربوا عليها تم قصد كل واحد خيمته ولم يلتقوا إلا في اليوم الموالي.
عندما كانت الشمس في قعر السماء سمعت جلبة وارتفع غبار جهة الغرب فعرف الجميع أن حلف تكنة قد حضر. ترجل شيوخ القبائل وترددوا ظنا منهم أن الولي سوف ينزل من صخرته لملاقاتهم. تقدم الشاب الحسني الذي كلفه العروسي بالذهاب لإحضار قبيلته وقدم كبير العرب لكبير تكنة. شكره هذا الأخير على الكرم والإحسان الذي خص به شباب القبيلة وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث. لم يستطع أيا منهما الترحيب بالآخر نظرا لأنهما كانا يعتبران أنهما ضيوفا عند الولي. عندها تقدمت السيدة عائشة وسلمت على الجميع في لغتها الصعبة الفهم وقالت لهم أنهم إن كانوا ينتظرون الولي فإنه بإمكانه أن يبقى فوق صخرته لمدة سنة أو تزيد. فهموا على أنه من الأفيد لهم أن يتناقشوا في الأمور الحربية والتجارية والإستراتيجية التي جمعهم الولي من أجلها. سألوا عائشة هل يسمح الولي بإقامة حفلات الموسيقى والرقص في حرم الصخرة حتى يتسنى للشباب التعارف والترويح عن النفس فقالت أنه إذا كانت هناك موسيقى فإنها مستعدة للرقص لأنه لا تعرف معنى للحياة بدون موسيقى وأن هذا هو رأي الولي. عندما سمع الولي إيقاع الكدرة فهم أن الأمر قضي.
PAGE \* MERGEFORMAT 8