Philosophie & Soufisme26 10 2026

ملائكة السراب (Malaikat Assarabe) — الجزء 6/9

ملائكة السراب، رواية لموليم العروسي — الجزء 6 من 9: الفقهاء والدعاة تحت الخيمة السلطانية، وحديث البودالي.

"...فهل ترى لهم من باقية؟"، رددها البودالي وهو يشير إلى جماعة الفقهاء والدعاة والعلماء المجتمعين تحت الخيمة السلطانية أمام باحة القصر. " وكأنني سمعت من يقرأها في مكان بعيد، وكأن قارئها لم يبدأها من أولها، الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة"، هكذا تكلم العروسي وكأن فكره مشغول بشيء عظيم. • اليوم آخر الأيام الثمانية يا رحال، إنه اليوم الموعود. • لا أدري، علينا أن ننتظر الأمر وسوف تظهر العلامة. • الآن وقد بان الطريق الذي سوف تأخذه دولة الغرب الإسلامي لا أظنني منتظرا علامات أكثر من هاته. أين عمران وصحبه؟ أين المتوكي؟ بل أين صاحبنا أبا العباس؟ وأين عبد الله وجنده، والمساكين من أهل الله الذين كانوا برفقته؟ أخذهم اليم وتلاطمت فوق رؤوسهم الأمواج؟ أين القبائل الجبارة من هنتاتة وهسكورة وغيرها؟ تائهة بدون دليل؟ وأين أبا القاسم؟ • لا تخف على أبي القاسم إنه من أولياءنا، أو لم تسمعه يردد الحاقة...؟ • هل تبحث عن علامات أخرى؟
أشرقت شمس يوم الجمعة على مراكش والمدينة هادئة هدوءا مريبا كأن الناس تنتظر أمرا جللا. كانت نخبة الأمة تحت الخيمة تتدرب على الهيئة التي سوف تقف بها أمام موكب السلطان حتى تستطيع إثارة انتباهه. فمنهم من تطيب وتأنق في ملبسه ومنهم من بقي على حاله حتى يظهر صدقه ومنهم من حاول ان يبقي على بعض من ملابسه العادية مضيفا إليها عمامة أو شيئا فوق الرأس جعله يختلف عن الجميع. ولم تخضع ترتيباتهم هاته لمنازعهم الفكرية والسياسية وإنما كانت حسب الأهواء والطموحات الشخصية أو وفق العادات الخاصة بكل منهم. كثرت الحركة أمام باب القصر وظهر توتر شديد على الجنود وباقي رجال الحراسة الملكية. لم يكن هناك إعلان رسمي بخروج السلطان لصلاة الجمعة لكن الخبر انتشر كالنار في الهشيم. هناك من شك في خدم بعض العلماء الذين ترددوا على الخيمة السلطانية لمد سادتهم بما يلزم من لباس خاص بيوم عظيم كما اعتبروه، وهناك من أشار إلى الطرق المعروفة لذى القصور في إتقان بث الخبر والتحكم في انتشاره. أصبح الخبر علنيا دون أن يكون رسميا. بما أن البلاط لم يؤكده ولم ينفه بقي الاعتقاد السائد هو خروج الملك. في الواقع هذا ما كان يتمناه الجميع.
مع ظهور أولى خيوط نور الشمس بدأ الناس بالخروج والاصطفاف على طول الطريق المؤدية لجامع الكتبيين. منهم المشتاقون لرؤية هذا الملك الغريب ومنهم جواسيس البرتغاليين وكل دول القارة المسيحية والعثمانية ومنهم القبائل المحاذية لمراكش ومنهم الفضوليون الذين ما إن يرون تجمعا بشريا إلا واشرأبت أعناقهم طلبا لمعرفة خبر ينقلونه لغيرهم بعد تنميقه وتحوير مجمل أركانه. وكأنه كان من الضروري ان يبدأ حاملو جراب الماء بالتوافد على المكان كما العادة هنا. أعطت رنات نواقيسهم نكهة خاصة لهذا التجمع الغريب. بدأ الأطفال يتراكضون ويترافسون خلف الصفوف المتراصة والأعناق المشرئبة عند بدايات الصباح. يصبح التدافع التلقائي في هذه الحالات غريزة طبيعية لدى سكان الغرب الإسلامي. فكأنما اقتراب الأجساد من بعضها البعض يوقظ لدى بني البشر في هذه البلاد رغبات لا يمكنه التغلب عليها إلا بالاحتكاك. لم يتأكد خبر خروج الملك بعد ورغم ذلك اكتظت الطرقات بالناس بل كانت هناك مشادات تطورت إلى تبادل اللكمات تطلبت تدخل رجال الشرطة لضبط النظام. وسبب كل هذا هو تمسك البعض بالحفاظ على الأماكن التي حجزها بعد صلاة الفجر مباشرة ورغبة آخرين في التقدم خطوة أخرى أمام الصفوف.
كثر الهرج أمام المسجد وعلى طول الطريق التي افترض الناس أن الملك سيقطعها للوصول إلى المسجد. هناك من اعتبر أنه سوف يغير طريقه نظرا للظروف الأمنية الغير مستقرة. كان أصحاب هذا الرأي قلة قليلة وعلى كل حال كان هذا دأبهم يشككون في الاستقرار لا لشيء إلا لأنهم يعشقون الكلام عن الدمار والانفلات الأمني إلى غير ذلك من الأفكار السلبية. ينتقدون السلطان حتى إذا ما أزيح عن عرشه تباكوا عليه وقالوا إنه كان أحسن من الذي خلفه. هؤلاء لم يكن ينصت إليهم أحد. كان سواد الأمة يريد ان يسمع كلاما إيجابيا حتى ولو كان غير واقعي. كان يريد أن يقال له أن السلطان الجديد عادل يحب الخير لأمته وسوف ينعم البلد بالرخاء والأمن والسعادة. وكأن الأمة اجتمعت كلها على أن الموكب الملكي سوف يمر من هذه الطريق. بل هناك من راهن على أن مرور السلطان من ذلك المكان سوف يكون عربونا على ما سوف يصيب البلاد من صلاح.
عندما ارتفعت الشمس قليلا بدأ توافد كل من له حرفة يسترزق بها في المدينة من أصحاب الألعاب البهلوانية وموسيقيين وبائعي المواد الغذائية...بدأت حياة جديدة تذب في شرايين المدينة. كان جل الموسيقيين قد أتوا بإيعاز من بعض الأشخاص الذين حتى وإن هم رأوا ما حدث للأعيان الذين تسرعوا في التعبير عن ولائهم، فإنهم رتبوا الأمور من بعيد وهيئوها حتى لا يسبقهم غيرهم إلى التعبير عن الفرحة بالرقص والنشيد. تحول انتظار خروج الملك إلى احتفال شعبي حقيقي. هذا ما دفع بعض المنتقدين إلى اتهام السلطات بإكراه الناس على المجيء إلى ملاقاة السلطان. لم يكن هذا رأي البعض الآخر وخصوصا الذين كانوا يتواجدون تحت الخيمة السلطانية. رأوا فيه على العكس تطلعا من طرف الناس إلى عهد جديد. انتقل نشاط السوق الأسبوعي من مكانه المعروف وانتشر باعة الخضر والفواكه على طول الطريق. عندما امتلأت الساحات والطرقات ببني البشر ظهر بعض أفراد الحرس الملكي وهم يهمزون خيولهم ببطء في اتجاه المسجد تم يعودون وكأنهم يتدربون على مهمة ما.
لما أوشكت الشمس على بلوغ قعر السماء وقف عسكري بباب الخيمة الملكية تم انحنى بأدب وطلب من أحد الفقهاء الذين بقوا على وفائهم لمذهب الدنيويين أن يتبعه إلى داخل القصر في الوقت الذي شاهد الجميع الشخص الذي جيش الأعيان في الليلة الأولى لقعود الملك الجديد على عرش أبي القاسم وهو يخرج من وراء الأسوار. كان الرجل يمشي وظهره محدودبا ووراءه يسير عسكري شاهرا رمحه اللامع. التقى الرجلان ونظر كل واحد منهما في اتجاه الآخر. كان الفقيه يحس بالفخر بينما كان العين مهزوما يجر أذيال المهانة. دخل الرجل الخيمة وحاول الاقتراب من الناس والذوبان داخل الجماعة لاتقاء العيون المسلطة عليه. لفظه الجمع بل أكثر من ذلك وضعوه في موقف المتهم لأن أغلبيتهم أحست أنه أقصي من السباق على السلطة والوجاهة. لكن هذا لم يمنعهم من سؤاله عن الملك الجديد. لما أقر لهم أنه لم يبرح الساحة الداخلية للقصر وأنه لم يحض بلقاء السلطان طلبوا منه أن يغادر الخيمة قبل أن يخرج الملك للصلاة.
لم يفهم المتحمسون لخدمة الملك الجديد كيف أنه اختار أن يقابل أحد المارقين عن الملة والدين، في رأيهم، بدل أحد العارفين بأمور السلطنة والملتزمين بالتقاليد العريقة للأمة. بدأ البعض ممن غادر مجموعة الدنيويين يتراجع داخل قرارة نفسه عن موقفه المتسرع. هدأت حدة الانتقادات تجاه الدنيويين واحتدم على العكس من ذلك الصراع الفكري والعقدي بين المحافظين وأشباههم من الداعين إلى تجديد النخب إلى حد تسلل بعض الأفكار الدنيوية إلى خطاباتهم التي كانوا يسمعونها للباقين وكأنهم يريدون التودد إليهم. كان الفقيه الذي اختفى الآن وراء أسوار القصر الملكي معروفا بقوله الحق حتى ولو كان في نفسه. كان لا يخاف في الجهر به لومة لائم أو سطوة سلطان. وكان كثيرا ما يسر إلى المقربين منه أن السلاطين ليسوا كلهم كما يظن الناس، متعصبون للتقاليد أو لأي فكر بعينه. كان يعرف، وخصوصا بقربه من أبي القاسم عندما كان أميرا وقبل أن يستحوذ عليه ابن الساسي، أن الملك يزن موازين القوى داخل المجتمع وداخل البلاط نفسه الذي يكون في الغالب صورة مصغرة لما يحدث في الخارج. لذا فإنه لا يحكم بالضرورة بقناعاته ومعتقداته وإنما يحاول ان يمثل جميع الآراء في شخصه. كان يعرف أن الملك ملك للجميع وأنه على عكس ما يوحي به لقبه فهو ليس سلطانا يبسط رغباته وشهواته ويحكم حسب هواه. الملك مقيد ملتزم ببقاء الدولة واستمرار العائلة المالكة. كانت أفكار الفقيه معروفة عند الخاصة من القوم. لم تكن له وظيفة رسمية في دولة أبي القاسم لكن هذا الأخير كان يستشيره في سرية تامة بل وكان يوكل له بعض المهمات خصوصا عند البرتغاليين أو السبنيول.
تذكر بعض العلماء والوجهاء أن الفقيه المذكور كانت له حظوة عند السلطان السابق فأخذوا يتوجسون خيفة من ما يمكن أن يحدث أو يكون قد حدث. لقد حاول كثير منهم أن يبتعد عن انتقاد السلطان الجديد ولكن وحتى يظهر مواقفه كان لابد أن يتحدث عن شيء ما، والأسهل كان انتقاد العهد البائد الذي لم يتردد أي أحد من المتدخلين في انتقاده. لا أحد رأى السلطان والكل يتحدث عن سلطان جديد لا هو بعبد الله ولا بأبي القاسم فكيف حدث أن وقع اختيار القصر على هذا الفقيه دون سواه؟ من أين لهم بمعرفته؟ كانت هذه التساؤلات تدور في خلد البعض لكنها كانت وكأنها تنتقل بفعل قدرة ما إلى رؤوس الآخرين فتجعلهم يستغرقون في التفكير ويمتنعون عن الكلام. خيم صمت رهيب على الخيمة الملكية ولم تعد تسمع إلا أصوات الطبول والمزامير وصراخ العامة هناك في البعيد. صار كل واحد من ضيوف الخيمة يحس بأن الأنظار مسلطة عليه وكأنه متهم بشيء ما. كانت الرؤوس مطأطئة وأنفاس الناس يسمع لها زفيرا كأنه الريح الصرصر العاتية. كان الشاي الذي يصبه الخدم من أباريق فضية يسمع له صرير كأنه الشلال. لم يكن للناس رغبة لا في الشاي أو غيره. كانت دقات الطبول وصرير الشاي المسكوب إضافة إلى دقات القلوب المتصاعدة داخل الصدور تدفع بنزلاء الخيمة إلى حافة الجنون. كانوا ينتظرون الخلاص، فما أن يخرجوا من ورطة إلا ودخلوا في أخرى. وسبب كل ذلك طول اللسان وحب الخطابة والبيان. للمرة الثانية لم يعرفوا كيف يطبقوا شعارهم المفضل: " سلامة الإنسان في حفظ اللسان".
وبينما هم على هذه الحال، صدرت من وراء جدران القصر الشاهقة أبواق الموسيقى المرافقة للملك ودقت الطبول وامتلأ الجو فجأة بأصوات مزامير وطبول العامة المنتشرة على طول الطريق التي يفترض أن الملك سوف يمر منها. وقف جميع من كان في الخيمة استعدادا لاستقبال طلعة السلطان البهية. خرج سرب من الخيالة اللابسين سترات الحرس الملكي واصطفوا أمام الباب الرئيسي للقصر مفسحين طريقا ربما يخرج منها الملك. لم تتوقف الأبواق ولا الطبول بل أضيفت إليها زغاريد لم يكن يدري الواقفون في الخيمة مصدرها. انضافت دقات الطبول العنيفة إلى دقات قلوب العلماء والوجهاء فصار الوضع لا يحتمل. تنحنح أحدهم فظن الجميع أن هناك شخص ما يأمرهم بالخروج إلى باب الخيمة فلم يترددوا. اندفعوا بسرعة كما اتفق لأجسادهم وتزاحموا على الصفوف الأمامية تماما كما فعل الفضوليون من العامة في جميع مناطق المدينة المكتظة بالبشر الذين ينتظرون الآتي. رغم بعض المجاملات و الصيغ الأدبية كان كل من أتيحت له فرصة أخذ مكان جاره حتى وإن كان صديقا له فإنه لم يكن يتردد في ذلك. كان الإرهاق قد أخذ منهم مأخذه وأتى على آخر خيط من المدنية وحسن التربية التي تلقوها منذ نعومة أظافرهم. ربما يكون السلطان الجديد يريد، وهو يراهم لأول مرة،أن يظهروا على حقيقتهم، غير مغلفين في ما تربوا عليه من نفاق للسلطان وحاشيته.
لم تفت كل هذه الحركات رحال البودالي وأحمد العروسي اللذان كانا يتابعان كل ما يحدث بكل مملكة مراكش. كانا يعرفان أن هؤلاء الفقهاء والوجهاء، وهم يتوجهون إلى العامة، يذمون الكذب وينبذون النفاق. كما كانوا لا يفتأون يرددون " لباسكم يرفعكم قبل جلوسكم وعلمكم يرفعكم بعد جلوسكم" وأصل الحكاية أن أحد الأولياء وحتى يلقن الناس درسا في التواضع وعدم الرياء جاء إحدى الحفلات دون دعوة وفي أسمال لا تليق بمثل هذه المناسبات. منع طبعا من الدخول فخرج واقتنى لباسا فاخرا تم عاد إلى الحفل. لم يلفظ هذه المرة بل استقبل بالأحضان. وعندما بسطت الموائد سار يضع ثيابه في مرق الأكل ويقول: " كلي فأنت المدعوة" ولما سئل وكشف عن هويته قيل له لماذا لم يعرف بنفسه عند الباب في المرة الأولى فأجاب ان العلم يرفع صاحبه عندما يتكلم لكن يجب أن تتاح له فرصة الكلام وهذه لا تكون إلا باللباس، الناس تحتاج إلى أقنعة ولا تريد الظهور على حقيقتها. اللباس قناع واللحية قناع بل وحتى الكلام في بعض الحالات قناع. لذا كان البودالي و العروسي منتشيين بقرار السلطان الجديد الذي كانا لوحدهما يعرفان من هو. ولم يكن كلام هؤلاء المصطفين أمام القصر الآن عن التواضع وعدم النفاق إلا إمعانا في الكذب والبهتان. ولم يكن سبب هلاك مملكتي فاس ومراكش إلا بسبب هذا النوع من الناس. لذا كان العروسي والبودالي ومعهما عدد لا يستهان به من الأولياء والمجاذيب يدعون إلى الاتجاه مباشرة إلى العناية العليا والاستغناء عن مكر الماكرين في هذه الحياة الدنيا.
مواقف الوليين السابحين في الفضاء لم تكن بعيدة عن مواقف الدنيويين. كل منهما كان يحاول أن يدفع الفقهاء ومن ورائهما جملة من الوجهاء إلى رفع أيديهم عن الأفراد وأن يتركوهم يقررون مصيرهم الدنيوي شورى بينهم وأن يتوجهوا للعناية العليا فرادى فهي الكفيلة بهم. لم يستطع هذان الفريقان التنسيق بينهما لأن المجاذيب كانوا لا يؤمنون بالخوض في السياسة ولا الحديث إلى العامة. كانوا يفضلون في أقصى الحالات الخروج إلى البوادي والصحاري وتربية الناس على الحب الخالص. لذا كان الدنيويون ومن بينهم الفقيه الذي يوجد الآن داخل القصر لا يتوانون في محاربة هذا النوع من الفكر الذي اعتبروه انهزاميا وإذن لا يخدم بأي حال نهوض بلاد الغرب الإسلامي من جديد. بل كانوا يقولون لهم أن العامة لا تفرق بين ولي مجذوب ينشد الحب الخالص وداعية محتال مدعي يبحث عن السلطة حتى وإن تطلب الأمر التعامل مع الأعداء. لم يكن الدنيويون يقفون عند هذا الحد بل كانوا يعطون أمثلة لدعاة يوجدون على ساحل المحيط الممتد من طنجة إلى السودان فيما وراء نهر السنيغال والذين كانوا يتواطئون مع البرتغال والسبنيول ويبيعونهم مناطق بكاملها. بل يضيفون أن الأفكار الرائجة حول حرمان الذي رأى نصرانيا من دخول الجنة ما هو إلا فخ في صالح المحتلين، ألم يتزوج رسول الإسلام قبطية وعلي ابن أبي طالب حنفية؟
فجأة صمتت الأبواق وهدأت الطبول وبدأت المزامير العشوائية التي تسمع من بعيد تخفت لتتلاشى وكأنها رجع صدى مغاوير في الجبال. وكلمح البرق بدأ الواقفون أمام الخيمة يسوون ملابسهم وقبعاتهم ويتنحنحون كأنهم يستعدون للكلام. سمع من وراء الأسوار العالية للقصر: " الله يبارك في عمر سيدي" رددتها الآفاق، ورددها دون هواه كل من كان أمام باحة القصر بمن فيهم ضيوف الخيمة حتى كان يخيل لك أن كل مملكة مراكش إلى حدود ممالك كاو ومالي ترددها معهم. طار سرب من الحمام الأبيض من داخل القصر وتوجه إلى الجنوب. هلل الجميع معتبرا ذلك فأل خير بينما أشار البودالي إلى السرب تم نظر إلى العروسي وتبسما. في هذه اللحظة بزغ سرب من الخيالة في لباس أنيق تعرف فيه البعض على عدد من موظفي الملك السابق وانتبه آخرون أن على ظهر أحد الجياد وسط كوكبة الفرسان يوجد الفقيه الذي استدعي للقصر. ساروا حتى وصلوا إلى حيث تجمع ضيوف الخيمة تم توقفوا ليتكلم أحد المرافقين لهذا الوفد الغريب متوجها إلى كل الواقفين دو استثناء. • اتبعونا إلى جامع الكتبيين. هذا هو أمر السلطان. كان الجمع يتكون من الفقهاء والوجهاء ولكن أيضا من عدد من الفضوليين الذين اقتربوا من الخيمة عند سماعهم أبواق القصر وهي تعلن خروج الملك. تحرك الجمع خلف القافلة التي سار على رأسها الفقيه الدنيوي.
كان الكل يقطع الطريق الفاصل بين القصر والجامع وجملة من الأسئلة تجثم على صدره. من يكون الملك؟ هاهو الفقيه يتقدم ويلوح بيديه للعامة وهي تردد في بلاهة: "عاش مولانا السلطان، الله ينصر السلطان...". إذا كان هذا هو السلطان فمن يكون الإمام؟ كان صوت المزامير يعلو على صياح سواد الأمة وهي تنادي بحياة الملك والفقيه يجيب بالتحيات ملوحا بيديه مرة وواضعا كفه على صدره تارة أخرى. ودون أن يفطنوا لذلك انتبهت جمهرة الناس التي كانت تسير وراء السلطان الحقيقي أو المفترض أو المزور أنهم يرددون مع العامة: "الله ينصر مولانا السلطان". كانت القافلة تتقدم والاقتناع بأن الفقيه أصبح ملكا يتكرس لذا الكثيرين. أيكفي ان يأخذ الإنسان مكان السلطان ليصبح ملكا؟ هل صورة السلطان مرتبطة فقط بمكان ولا يهم من يملأ هذا المكان؟ تناسلت هذه التساؤلات داخل أدمغة أولئك الذين عارضوا رأي الفقيه الدنيوي تحت الخيمة السلطانية. و كأنهم أصبحوا في حيرة من أمرهم وكأنهم لا يفتأون يسقطون في فخاخ تنصب لهم من حيث لا يحتسبون.
سار الموكب إلى الجامع دون أن تتوقف هتافات الناس على اختلاف أعمارهم وعقائدهم وألوانهم ومراتبهم الدنيوية. دخل الموكب الرسمي من الباب الخلفي للمسجد بينما رافق عدد من الحرس كل من كان في الخيمة وأفسحوا لهم ممرا من خلال حشود العامة من الناس لكي يأخذوا مكانهم مباشرة وراء الإمام. احتشد الناس داخل وخارج الجامع وكأن صلاة الجمعة لم تقم هذا اليوم إلا بمسجد الكتبيين. بعد الضجيج المرتفع كأزيز النحل لمدة غير قصيرة خيم صمت رهيب على قاعة الصلاة وخارج الجامع. لم يأمر أحد الجمهور بالصمت لكن ذلك تم بسرعة فائقة إذ انخفضت حدة الضجيج فجأة ليشك كل شخص أنه أصبح عرضة للأنظار. صار الواحد ينظر ذات الميمنة وذات الميسرة ليتيقن هل كان آخر المتكلمين وهل أثار صوته الشبهات. كان يخيل للناس أن هناك سلطة ما تراقبهم من سقوف المسجد وفي ما وراء قبة السماء. وكأنهم أحسوا بثقل عيون قوية تسلط عليهم نظرها من فوق فصاروا ينكمشون إلى داخل أجسادهم حتى أصبحوا يحسون وكأنهم أبسطة في نفس مستوى البلاط.
دام الصمت على هذه الحال حتى أصبح من الصعب على كل من أحس بألم في ركبتيه أن يغير جلسته أو يقوم بحركة ولو خفيفة. كان الناس يبتلعون ريقهم بهدوء حتى لا تثير حناجرهم أي صوت قد يجعل الآخرين يلتفتون إليهم. كان لا بد أن يبادر أحد بالحركة حتى يخلص هذه الأمة من جمودها. وفجأة سمعت فرقعة قوية فتوجه الكل نحو مصدر الصوت وكأنهم يتحركون بقوة لا مرئية. كان صوت مفتاح فتح بعده باب بجانب المنبر وظهر شخص في لباس إمام الصلاة. صعد المنبر وبعد أن بسمل وحمدل ألقى خطبة لم يظهر فيها أي شيء جديد لعامة الناس أو لم ينتبهوا لما قيل نظرا لرتابة الصوت وتكرار نفس الألفاظ على مر السنين بل القرون. لكن الذين كانوا يعرفون الفقيه والذين كانوا يصيخون السمع باحثين في ثنايا الكلام المسترسل عن الجديد تنبهوا إلى أمرين اثنين. أولهما عدم الحديث عن ما آلت إليه مملكة مراكش منذ ظهور الوليين في سماء عاصمتها وثانيهما وهذا هو الأهم ما ختم به الفقيه خطبته " اللهم انصر على القوم الظالمين، مولانا أمير المؤمنين، أبا القاسم الأمين، وشد عضده بالساهر على العرش المكين الملثم سليل المرابطين". وبعد أن أنهى خطبته أعلن للعموم أن الملك سوف يخرج اليوم بعد صلاة العصر إلى ساحة جامع الفناء للقاء برعيته.
ما أثار انتباه الذين ابتلوا بالتأويل وعدم الأخذ بظاهر الأشياء هو كون الفقيه صلى بسورتي الحاقة والفيل. لم يفهموا ما الذي دعاه إلى اختيار هاتين السورتين بالذات. كما لاحظ المهتمون بعلم التجويد أنه كان يؤكد على مجاميع صوتية دون أخرى من ذلك تأكيده على ريح صرصر عاتية. كما أنه، مدد بشيء من المبالغة، "سبع ليال وثمانية أيام حسوما..." وكرر ثلاث مرات "فجعلهم كعصف مأكول". اتفق آخرون على هذه الشكوك وأضافوا أن صوت الفقيه كانت فيه رنة تشاؤم لم يعهدها فيه أحد من قبل. هذه الأمور مضافة إلى ذكره لأبي القاسم بالاسم والصفة مقرونا بصفة الساهر على العرش المكين جعلت نخبة العلماء والوجهاء والتجار والصناع وبعض شيوخ القبائل الذي جاءوا لحضور صلاة الجمعة بحاضرة مراكش يعجزون عن فهم ما يحدث وراء الأسوار العالية للقصر العامر.
ما إن انتهت الصلاة حتى عاد الفقيه إلى الباب الخلفي واختفى. خرجت الناس ورؤوسها ملأى بأسئلة يستعصي الحصول لها على جواب. وقف الحرس في باب الجامع وما إن خرج سواد الأمة حتى أحكموا طوقا على الأعيان والفقهاء والتجار وشيوخ القبائل إضافة إلى جميع من كان في الخيمة الملكية وغيروا اتجاه مسيرهم ليجدوا أنفسهم وراء موكب الفقيه. ساروا جميعهم يهتفون بحياة سلطان لا يعرفون عنه شيئا الآن أكثر من أي وقت مضى. قطعوا الطريق المؤدية للقصر والهتافات تتصاعد وصراخ العامة لا يتوقف، والصفير والنفير يتعالى وزغاريد النساء. كل هذا الضجيج كان يقطع حبال التفكير عن الذين فهموا الخطبة أكثر من اللازم. عاد الموكب إلى القصر الملكي وجماعة الخيمة حيث كانت و انضافت إليها أصناف من الناس على اختلاف ألوانها ومراتبها الدينية والدنيوية. كثر الكلام باللهجات غير العربية حتى صارت لغة الضاد لا تكاد تسمع. كان الكل يتبادل التهاني مسبقا بخروج السلطان حتى لا يضطر إلى الحديث عن السلطان نفسه وهويته.
وكالعادة لم يتأخر كرم القصر، فما كاد الناس يجلسون حتى بسطت الموائد وجيء بأصناف المأكولات ما جعل البطون تسيطر على الذهون والألسنة تفقد القدرة على الكلام. وكأن الأكل يقوم مقام الكلام عند بني البشر. كان عدد من الجلساء يشيرون بحركات دائرية لأيديهم وكأنهم يتساءلون عن معنى الملثم الذي ورد ذكره في خطبة الجمعة. أصبحت لغة الإشارات تركز أكثر على الرأس حتى صار يصعب على المتتبع أن يفرق بين حديث يدور عن السلطان وآخر عن الأكل. أعاد مجتمع الخيمة تركيب نفسه بطريقة غريبة. تجمع الناس في فرق صغيرة على أساس السن تارة والقبيلة تارة أخرى واللهجة أو الحرفة... إلا العقيدة السياسية. أصبح الناس يتهامسون عوض الصراخ الذي سيطر على مناقشات اليومين الأخيرين. صار واضحا أن الوضع الملتبس الغير واضح أثر على التحالفات العقدية. صار المرء يطمئن إلى عشيرته البيولوجية أكثر من عشيرته الفكرية. وكأن ذلك نزعة غريزية في بني البشر ما إن يحسوا بخطر الاندثار أو الدمار إلا واستعادوا حيوانيتهم البدائية أي الانضمام إلى القطيع قاطعين بذلك كل علاقة مع الفكر والثقافة. انتهت قصة الأحزاب والتيارات كما بدأت داخل الخيمة الملكية الشريفة.
سمع آذان العصر فتبادل الجميع نظرات حيرة. من بوسعه الآن بعد كل الذي حدث أن يبادر إلى إمامة الصلاة أو حتى الوقوف لأدائها منفردا؟ طأطأ الجميع رؤوسهم حتى لا يتعرف الواحد منهم على ضعف الآخر من خلال عينيه. وكأن الآذان لم يسمع وكأن الناس غير موجودين تحت الخيمة. بدا واضحا أن الناس فقدت القدرة على المبادرة والاقتراح. في هذه اللحظة جاء من دار المخزن من يخبر كل من كان تحت الخيمة أن يتوجه إلى المسجد القريب من ساحة جامع الفناء لتأدية صلاة العصر جماعة هناك. تشبث كل واحد بقريبه أو ابن عشيرته وتوجه إلى المسجد المذكور. عند إقامة الصلاة لاحظ الناس أن الإمام نفسه الذي أم صلاة الجمعة هو الموجود داخل المحراب ويستعد لقيادة الصلاة التي تسبق أهم حدث في مملكة الغرب الإسلامي. أطال الفقيه أكثر من المعتاد؛ لعله اختار الصلاة بالسور القرآنية الأكثر طولا. كان كأنه يعذب الجمع أو أن هناك أمرا ما لم يتبينه المصلون. لم يكن فكر الكثيرين مهتما بالصلاة أو التأمل والاستغراق في التبتل أكثر من معرفة الآتي. لم يفه الفقيه بالسلام عليكم ورحمة الله حتى كاد عدد كبير ممن كان وراءه يجن أو يغمى عليه. استدار الفقيه جالسا في اتجاه الجميع تم انطلق من جديد في دعاء مستفيض بالصلاح للأمة والبشرية بجميع أديانها وألوانها والدابة والزرع وتوقف عند الدعاء للأمير ما يقرب الساعة كانت كأنها الدهر. تعبت الناس من ترديد "آمين، آمين"، بل منهم من ندم على وجوده ضمن هذه الجوقة المجنونة وندم حتى على يوم ولدته أمه. لم ينطق الفقيه ب "وسلام على المرسلين" حتى أغمي على عدد من المؤمنين بل أن بعضهم اضطر إلى ترك أحد نواقض الوضوء يسيل بين فخديه مضطرا.
كان الجميع يعلم أن النهاية ليست بالضرورة خلاصا من القلق والمانخوليا التي استولت على النفوس وصارت تنخرها حتى كادت تتحول إلى جنون حقيقي. وفعلا كان، فما إن انتهى الفقيه حتى وضع رأسه بين كفيه واستغرق في تأمل عميق لم يجرؤ أحد على إخراجه منه. صار كل شخص يلجم لسانه حتى لو تعلق الأمر بالنهي عن المنكر. استسلم القوم واقتنعوا نهائيا أن الخلاص يأتي بأمر من القصر وما عليهم إلا ان ينتظروا. وما هي إلا بضع دقائق حتى انتصب حارس أسمر برمحه البراق داخل المسجد وتوجه إلى الفقيه مشيرا إليه أنه بإمكان الناس أن تخرج. عندها وقف الفقيه وأشار بكلتا يديه جهة الباب إيذانا بالخروج. في الباب كان الحرس كالعادة موجودون لتأطير الجمهور. اكتشف المصلون الخارجون من توهم من المسجد أنه خلال اعتكافهم على التعبد والتوسل بسطت الزرابي ونصبت الخيام بساحة جامع الفناء. كانت هناك خيمة حمراء اقتيد إليها كل من خرج من الصلاة وطلب منهم أن يصطفوا وفقا لمناصبهم ومراتبهم الدنيوية وعقائدهم الدينية والسياسية. ومن لم يتعرف على نفسه في إحدى الخانات اقترح عليه رجال المخزن أين يمكنه أن يصنف نفسه. وهكذا أعيد ترتيب المشهد بطريقة غير تلك التي كان عليها داخل الخيمة الملكية أمام باب القصر.
فجأة ارتفع صياح العامة ومعه زغاريد النساء وطبول الحَرْكة الملكية. كانت أصوات آلات النفخ والإيقاع النحاسية منها والجلدية تقترب أكثر فأكثر وعلى عكس العامة التي كانت ترقص فرحا بمقدم الملك كان العلماء والوجهاء والتجار وشيوخ القبائل وكل نخبة البلد تنتظر وقلوبها تكاد تطير من صدورها لجهلها بالمستقبل. وفي الحقيقة لم يكن مستقبل البلد هو الذي يعني هؤلاء الناس وإنما مستقبلهم الشخصي. لذا أحكم كل واحد إقفال فمه وصار متنبها لكل ما يمكن أن يصدر عن أحد حراس القصر أو عن الفقيه الدنيوي الذي ظن الجميع أنه أصبح محضي السلطان الجديد. اشرأبت الأعناق وتطاولت وحملقت الأعين في الأفق علها ترى شيئا. ازداد صياح العامة بل منهم من أغمي عليه جراء الصياح والعويل أحيانا فرحا بمقدم السلطان واختلطت اللهجات واللغات في ترجمة الفرحة هاته: "عاش مولاي السلطان، يحيا شيدنا الملك، يحي ربي الملك، عاش حامي حمى الملة والدين..."، إلى آخر ذلك من العبارات والتي كان أصحابها يرددونها في غالب الأحيان دون معرفة معناها ولكنها كانت تعبيرا منهم عن الفرحة. وكأن هذا الحماس دب في الجمع الذي كان تحت الخيمة الحمراء فرفع أحدهم عقيرته صارخا "عاش الملك"، فسارع الآخرون إلى رفع أصواتهم بنفس العبارة حتى لا يقال عنهم أنهم تخلفوا عن التعبير عن فرحتهم وولائهم.
سار الموكب الملكي يقترب والصراخ وأصوات الموسيقى مصحوبة بصياح الأطفال والعجزة وأصناف الغناء ترتفع. كان الناس يتقافزون في الهواء إما رقصا أو محاولة الارتفاع على الصفوف لرؤية وجه ملكهم. وأخيرا ظهرت العربة الملكية المزركشة بالحرير الأحمر والذهب. لم تكن العربة مكشوفة رغم الجو الصحو والحرارة المعتدلة. كان الناس يحيون العربة والخيول والفرسان إذ لم يكن للملك وجود أو على الأقل لم يكن مرئيا لأحد. سار الآن كل من في الخيمة الحمراء يسمع بالوضوح التام وقع حوافر الخيول التي كانت تجر العربة وتلك التي ترافقها. كان الصياح واللغط وحتى العويل في بعض الأحيان تصل أصداؤها إلى مسامع العروسي والبودالي. بدا واضحا أن الوليين يهتمان بهذه اللحظة بشكل خاص. وكأنهما نزلا بعض الشيء نحو الجمهور الذي غصت بجنباته ساحة جامع الفناء. لما توقف الموكب أمام الخيمة الحمراء أسرع حارسان كانا يجريان ويداهما على أحد المقابض الخلفية للعربة وفتحا البابين الجانبين ليسمحا بظهور شخصين في لباس أزرق نيلي وقد غطت رأسيهما عمامتان من نفس اللون. كان النازل من الجانب الأيمن هو الملك، هكذا فهم الجميع خصوصا عندما رأوا أن الآخر أسرع وبيده عكازة وبعد أن انحنى مقبلا الأرض أمام الأول سار رافعا رأسه وكأنه يفسح الطريق للملك.
تدلى من الجانب الأيمن للملك سيف طويل ولاحظ البعض أنه كان ينتعل حداء وجوارب جلدية ذات لون لم يكن معهودا لا عند المراكشيين أو ساكنة فاس وكأنه ذاهب لتوه للقتال. كان جسمه نحيفا بحيث أن الثياب كانت تبدو فضفاضة على جسده. سار الملك بخطى سريعة نسبيا بالمقارنة مع إيقاع المشي العادي للملوك ولا حظ الجميع أن في حركاته نوع من الخفة والرشاقة. بمجرد ترجله عم صمت رهيب وسار الناس يسمعون أزيز الريح الخفيف وهو يداعب شعيرات حواجب عيونهم. اتجه نحو الخيمة الحمراء دون أن يقترب منها ومشى كأنه يستعرض الوجوه الحاضرة ويتفحصها واحدا، واحدا. فكان كلما نظر إلى احدهم إلا وخر ساجدا ووجهه ملتصق بالأرض وهو يردد "الله يبارك ف عْمَرْ سيدي". لم يأمر أحدا بالوقوف بل بالعكس ترك الجميع سجدا. عندما أنهى جولته التفقدية للوجوه المهمة والنافذة في مملكة مراكش جيء إليه بكرسي يشبه عرشه أو كأنه هو. استوى عليه ووقف حاجبه ومعه ورقة عريضة. أسرع الفقيه الدنيوي انحنى أمام الملك قبل أن يتنحى جانبا ويقف خلف السلطان. عندها سلمه الحاجب الورقة العريضة وطلب منه أن ينادي على الساجدين ليتقدموا فرادى ويوقعون على الورقة قبل أن ينادوا أدام الله ملك السلطان الهمام. استغرقت التوقيعات زمنا ليس بالقصير أحس بعده كل من كان في الخيمة بالخلاص. بعده أسرع الملك إلى العربة التي كان الحرس قد سحبوا سقفها فأصبحت مكشوفة. صعد إليها فصارت كالمنصة ورفع يديه في تحية مهيبة إلى رعاياه. كان منظرا فريدا لم ترى مراكش مثله حتى على عهود يوسف بن تاشفين وعبد المومن بن على الكومي. كان الجميع يلوح بيديه لكن دون النبس بكلمة واحدة. نزلت السكينة على المدينة وأحس الناس ومعهم النخبة أن شيئا ما يميز هذا السلطان عن غيره. أحسوا أنهم يحبونه بالغريزة وأن لا مكان للرهبة أو الهيبة التي تلصق عادة بالملوك. حتى أولئك الذين عذبوا لأيام وهم ينتظرون خروجه أحسوا بنشوة خاصة عندما سجدوا عند قدميه وتحدثوا كلهم ودون استثناء عن عطر خاص ينبعث من جسده الشريف. أما العامة فإنها ورغم بعدها عنه رأت في عينيه وفي الأجزاء القليلة التي ظهرت من وجهه وباقي جسده أن فيه شيء من الملائكة. وكأن
الجميع افتتن بشيء ما في شخص هذا الإنسان الغريب.
تبادل البودالي و العروسي النظرات وتأوها وكأن شيئا ما يخيفهما. تحركت العربة والناس لا تكف عن التلويح بل منهم من انهمرت دموعه دون معرفة سبب ذلك. أحس الأعيان وهم ينظرون إلى الملك عائدا إلى القصر ان شيئا ما ينتزع منهم ويترك فراغات عميقة داخلهم كأنها الجرح العميق. ما سر هذا الارتباط العاطفي و الروحي؟ تبعت جحافل البشر، في صمت، العربة الملكية وهي تتوجه إلى القصر. استغرق الفقهاء و الخطباء والوجهاء...في تفكير عميق وأضربوا عن الحديث فيما بينهم. توجه كل منهم إلى بيته في خطى متثاقلة دون أن يعبأ بالآخرين. عندما اختفت العربة وراء أسوار القصر ارتفعت بعض الأصوات بالعويل وكأنهم أطفال فقدوا أمهاتهم. قفلت الجموع راجعة مطأطئة الرؤوس وكأنها عائدة للتو من جنازة بينما بقي البعض مرابطا هناك على أمل أن يخرج الملك ثانية. كانت المدينة خالية من كل معالم السلطة وكأن يدا خفية عظيمة أخفت ساكنة مراكش الأصلية وجاءت بشعوب أخرى غير معهودة عند أهل البلد. سار المعروفون بسوقيتهم وسفالتهم يحيون الآخرين بأدب، يظهرون الود لليتيم و الأرملة؛ يسعفون المريض ويأخذون بيد الأعمى والعجوز. تعانق المسيحيون، على قلتهم، مع اليهود والمسلمين، والسود مع البيض والأعراب مع المدنيين. وكأن مراكش أصبحت المدينة الفاضلة التي ذكرها حكيم يونان أفلاطون في كتبه.
انتشر الخبر بالمدينة وخارج أسوارها بل وصل إلى آذان سلاطين المسيحية بأوروبا. قيل أن الملك الجديد مرابطي أعادته العناية الإلهية من الدار الآخرة لإعادة الاعتبار لبلاد الغرب الإسلامي. لم يتبينوا من هو العائد بالضبط من أمراء الملثمين. لن يكون يوسف بن تاشفين بكل تأكيد، ذلك أن النصوص التي تتحدث عنه تصفه بالغلظة والتقشف عكس هذا الأمير تماما الذي يتميز بالصلابة والرقة والرجولة والجمال. كان الناس يستقون كل هذه الأوصاف من شعر قرضه بعض الشعراء في حق السلطان وكانت الناس تتداوله في سرية تامة. لم يكن أحد يعلم علاقة هذا الملاك العائد من لدن الملأ الأعلى بالشعر وخصوصا شعر المدح. خصوصا وأن المدح عند المراكشيين لا يختلف كثيرا عن الغزل لذا زجرهم الملوك والولاة ومنعوهم من قرض هذا النوع من النظم. لكن حب الناس المفرط لهذا السلطان الغابر الظاهر كان يدفعهم للتعبير وبشتى الوسائل دون هواهم. شاعت القصائد بين الناس بسرعة خارقة ووصلت إلى مغنيي ساحة جامع الفناء الذين ادخلوها في قوالبهم الموسيقية الجاهزة فتلقفتها العامة وسارت تتغنى بها في كل ركن من أركان المدينة بل وصلت إلى الأسواق في البوادي والجبال والصحاري.
• ما رأيك يا أحمد؟ • لم لا لقد عثر على قبر إدريس ابن إدريس بفاس فلم لا المرابطون بمراكش؟ • أخاف من هذا الحب العارم، عندما يكتشفون الحقيقة سوف تكون الطامة الكبرى. العامة وما أدراك ما العامة؛ تحبك اليوم وتفترسك غدا. • لن نكون هنا، سوف تصلنا الأخبار. • خذ اتجاه سرب الحمام الأبيض ذاك هو طريقي. ارتفع البودالي وهو يحمل العروسي حتى غاب عن الأنظار وسار يمخر عباب السحاب. انتبهت الناس قبل مغيب الشمس إلى أن سماء مراكش خلت من الوليين الصالحين. رفعوا أكفهم بالدعاء لهم ظنا منهم أنهم هم من أتى بهذا السلطان الذي لم تشهد البشرية شبيها له قبل اليوم. أطلق سرب آخر من الحمام من داخل القصر وكأنه تحية من السلطان للعروسي والبودالي.
نامت المدينة في هدوء واستيقظت في هدوء رغم الأسئلة الغريبة التي كان يطرحها بعض المتشككين والذين اعتبرهم الناس جواسيس لحساب بابوية روما ودول المسيحية أو العثمانيين الأتراك. وصلت أخبار من شمال مراكش تتحدث عن ما وقع لعبد الله وجنده فزاد التأكيد على أن الملك الجديد رسول من العناية الإلهية وقد تكون عودته إحدى علامات الساعة. أصبح الدعاة ومدعو المهدوية يستغلون ساعات الليل للخروج من المدينة والالتجاء للجبال هروبا بجلدهم. فتحت الدكاكين أبوابها وعاد الأطفال إلى الكتاتيب القرآنية وخرج الفلاحون للبساتين المحيطة بالمدينة ودخل الجبليون وبدو الحوز والسهول المجاورة للمدينة للتبضع أو تسويق منتوجاتهم. كانوا يتحدثون عن ما رأوه من هلع البرتغاليين والأسبان عند سماعهم خبر خروج السلطان عصر الجمعة الشهير بساحة جامع الفناء بمراكش. في حالات كثيرة كان أحدهم يتطوع للقيام بحركات تظهر خوف النصارى وفرارهم نحو حصونهم. كنت تسمع من حين لآخر بعض الناس وهو منهمك في عمله إما يحمل حملا أو يتسلم نقودا من أحد الزبائن أو يتوضأ وهو يقول على مسمع من الجميع: "إذا نادى هذا السلطان بالجهاد فإني مستعد لتقديم النفس والنفيس للسير وراءه ودحر الغزاة". هل كان هذا الكلام عن صدق أم أنه كان من قبيل الثرثرة المعروفة عن العامة عندما يدب الحماس في الجمهور؟ لا أحد كان يدري إذاك من يقول قول الحق ومن يطلق العنان للسانه يطرز الكلام بدون حسيب أو رقيب. الحقيقة أن الناس أحست بالطمأنينة والحرية ففكت عقد ألسنتهم.
خلال إقامة الصلوات كانت الناس تتصافح وهي بشوشة كأنها في عيد دائم. كنت ترى شخصين من بعيد وهما يتصافحان ويتعانقان حتى إذا افترقا صار كل منهما يضرب ضربات خفيفة على صدره عربونا عن الانشراح والانبساط و الرضا وهو يمشي منكفئا قليلا إلى الأمام وكأنه ينحني اعترافا بجميل ما أو خضوعا عفويا لسلطة فوقية. كنت ترى أعدادا من الذين أغرموا بالسلطان من النظرة الأولى يترددون على الساحة الأمامية للقصر علهم ينعموا برؤيته مرة أخرى. كان العسكر وأصحاب الشرطة يخرجون ويدخلون القصر وعندما يلاقون أو يشاهدون أحدا من بعيد يرفعون أيديهم إلى مستوى الرأس تم يضعونها على صدورهم ومنهم من يقبلها معبرا عن سلامه وربما سعادته بهذا الاندماج الشعبي الغير مسبوق في بلاد الغرب الإسلامي. وعلى الرغم من هذا الانخراط الشعبي المنقطع النظير فإن هناك من دعاة الفتنة من حاول أن يشكك في كل ما حدث محاولا، حسب الروايات، أن يتساءل عن الطريقة التي كان الملك يمشي بها بعد نزوله من العربة وقبيل صعوده إليها. فقد لاحظ هؤلاء، وبالمناسبة فهم أنفسهم الذين أكدوا أن حضور الناس كان تحت ضغط السلطات، أن الملك وبالرغم من أنه انتعل حداء وجوارب جلدية كأنه ذاهب إلى الحرب فإن مشيته لا تدل على أنه مارسها من قبل أو أنه تدرب على القتال.
كان عدد قليل من ساكنة مراكش يستمع لهؤلاء خصوصا عندما يقولون أنهم لم يسمعوا لا صوت السلطان ولا صوت الحاجب. لقد جرت العادة أن يكون الحاجب هو مكبر صوت الملك فلماذا لم يتكلم وطلب من الفقيه الدنيوي بالإشارة أن ينادي على الموقعين؟ كان البعض يرد على هذه الادعاءات أن الملثم من أصول أمازيغية وحتى يوسف ابن تاشفين لم يكن يعرف اللغة العربية مستدلين بذلك على ما وقع له مع المعتمد ابن عباد بعد موقعة الزلاقة. حيث يحكى أن الشعراء الأندلسيون جاؤوا بعد النصر يتلون قصائدهم أمام الأمير المرابطي وكان هو لا يعبأ بما يلقون فسأله المعتمد إن كان يفهم ما يقولون فأجابه بقولته الشهيرة "نعم إنهم قوم يطلبون الخبز". كان واضحا أن الناس على اختلاف أطيافها قبلت هذا السلطان الجديد الذي لا تعرف عنه شيئا. بل هناك من فسر هذا الأمر بتقليد مترسخ لذا ساكنة هذه المنطقة من العالم يتجلى في تفضيلها رياسة الغريب على ابن البلد. وأعطوا لذلك أمثلة كثيرة تبدأ بالحقب الغابرة إلى العصور القريبة أي الرومانية والفينيقية والعربية. كان هذا هو الجدل الذي يشغل ساكنة مراكش لكنه انتقل إلى الأقاليم البعيدة ودون فيه الفقهاء فتاوى كثيرة وتشيع إليه البعض وعارضه البعض الآخر.
كان العروسي ورفيقه يقطعان المسافات الهوائية ويتفرجون على المدن والقرى وتجمعات الناس في الخيام. يلتقون بالطيور الضخمة بل وحتى مخلوقات نورانية لم يكونوا يعرفون لها أصلا. لم يكونوا يتوقفون لا بالليل ولا بالنهار إذ لم يكن بوسعهم ذلك ما لم تظهر العلامة. لما قطعوا الجبال والسهول دخلوا في منطقة الأحجار العارية من كل شيء. كانت حرارتها تصلهم في النهار وفرقعات صخورها بالليل كأنها القنابل. توالت عليهم السحب والعواصف حتى ظن البودالي أنها النهاية لكن العروسي كان يذكره بالأمر الذي تلقاه بحمله والطيران به إلى المكان الموعود. كان البودالي عندما يسمع هذا الكلام تزداد قوته ويقاوم غضب الطبيعة محاولا أن لا يفقد اتجاه الطريق. مروا من جميع المقامات التي مر منها علي في كتاب المدارج وهو يبحث عن الكبريت الأحمر. فجأة دخلوا في عاصفة حمراء لم يعد البودالي يستطيع فيها رؤية العروسي على الرغم من أنه كان أقرب إليه من حبل الوريد. انفصم حزام سروال العروسي فسقط هذا الأخير وابتلعته العاصفة. أساخ البودالي السمع لكنه لم يتبين الاتجاه الذي سار إليه صديقه."
كان إبراهيم يحكي لابنه رواية العروسي والبودالي وهما جالسين على مرتفع من مرتفعات الجبيلات غير بعيد عن سيدي بوعثمان حيث تجري معركة طاحنة بين جيش الفرنسيين ومحاربين جاؤوا من الصحراء بقيادة ماء العينين لمنع النصارى من التقدم نحو مدينة مراكش. كانا غير بعيدين عن المكان الذي ابتلعت فيه مياه تانسيفت جيوش عبد الله. كانت نيران مدافع الفرنسيين تحصد الخيول والحقول والدواب والبشر وكانت بنادق وسيوف المحاربين الأشاوس لا تصل العدو نهائيا. ورغم ذلك كانوا يصرون على عدم الاستسلام والاستشهاد في مواقعهم القتالية. • لماذا لا يتوفرون على مدافع وعربات كتلك التي عند النصارى؟ • لأن النصارى سامحوا في دينهم وتعاطوا لعلوم الحيل الميكانيكية منذ زمان فاخترعوا هذه الآلات الشيطانية التي تحصد البشر بدون شفقة. • ومن قال لك أنها آلات شيطانية فهي مثل البندقية التي يستعملها المحاربون إلا أنها أكبر وأكثر تدميرا • هذا ما أفتى به علماؤنا في القرون القديمة ولا زلنا على العهد