Philosophie & Soufisme26 10 2026

ملائكة السراب (Malaikat Assarabe) — الجزء 4/9

ملائكة السراب، رواية لموليم العروسي — الجزء 4 من 9: سنوات الجفاف والمجاعة على أرض الغرب الإسلامي.

توالت السنوات العجاف على أرض الغرب الإسلامي. مات من الناس والدواب والأشجار الكثير. وألمت المجاعة بالناس حتى جعلتهم يبيعون أولادهم في الأسواق مقابل رطل من الدقيق أو كسرة خبز. كنت تسير على الطريق المؤدية من مراكش إلى آسفي فتجد الناس أفواجا يمشون شبه عراة قاصدين الثغور التي يحتلها النصارى طلبا للخبز أو العمل. دخل عدد كبير من الناس في المسيحية على يد الرهبان في ثغور أكادير وموكادور و إيمازيغن فضلا عن الثغور الشمالية من العرائش إلى طنجة فسبتة حيث كان مقر أسقف الكاثوليك. ولما كان يستحيل على بعضهم الدخول في دين النصارى لسبب أو لآخر كانوا يعمدون إلى تقديم أنفسهم عبيدا لقبطانات البواخر الأوروبية المتوجهة إلى إفريقيا أو أمريكا. كان الأخ يساعد أخاه على المشي حتى إذا ما مات أكله. غادر الناس منازلهم وهلكت البهيمة وانقرضت البساتين. في هذه السنة ظهر بصيص من الأمل حيث أن السماء لم تبخل بالأمطار وظهر شبه استقرار على مستوى عرشي فاس ومراكش شجع الناس على العودة إلى فلاحتهم. لكن غزوات النصارى أتت على كل شيء. فما لم يأخذوه بالقوة مباشرة أو بواسطة حلفاءهم أحرقوه أو أتلفوه. أما الحقول التي كانت بعيدة عنهم كحقول تادلا أو الحوز أو السايس فإن أصنافا من الطيور الشرسة جاءت من كل حدب وصوب في منتصف فصل الربيع أتت على كل الغلة ناهيك عن توالي وفود الجراد الذي يقضم كل أخضر ويابس. حاول سكان مملكة مراكش الاستنجاد ببعض الأولياء المعروفين بسيطرتهم على الطيور والجراد لكن كما قال رحال البودالي، كان أهل الوقت ( ويعني أولياء ذلك الزمان) يلاحظون ما يحدث ولا يحركون ساكنا. كانوا ينتظرون الأمر أو الإشارة كما يقولون. وحتى لو تكلموا فما عساهم يقولون؟ لقد تكلم العروسي و البودالي وها هما اضطرا إلى التحليق في الهواء هربا بجلديهما. كان العروسي وهو قادم من الأندلس يمر بمدن فارغة تماما إلا من البوم والغربان. هجرها أهلها إما بسبب الخوف من وصول النصارى البرتغاليين أو السبنيول أو من بطش جنود السلطان. كانت بعض المدن التي سلمت من عبث الأعراب لا زالت صالحة للسكن. لكنه كان يبكي عندما يدخل المساجد ويجد أغلبها مستعملة للأبقار أو
الماعز أو حتى الحمير والبغال لتستظل بها في حر الصيف. كان يعرف أن الأعراب مؤمنون يؤدون صلواتهم الخمس ولكنهم كانوا لا يعرفون للعمارة قيمة. فكأن عداوة من نوع خاص لهذه الإنجازات حقنت لهم في دماءهم. لم يكونوا يعرفون أن استقرار الملك من استقرار الناس وأن لا استقرار بدون مدن.. لم يكن يهمهم إلا إشباع نهم بهائمهم. كان قائدهم هم غرائز الأنعام التي يتبعونها. لاحظ أن المدن الحصينة هي المدن الساحلية التي كان يحتلها البرتغاليون والسبنيول كطنجة و سبتة وأصيلا وغيرهما. أما في الداخل فباستثناء فاس ومكناس ومراكش لم تكن أية مدينة مأهولة على الطريق التي مر منها. النخيلة، البصرة أدندون وغيرها كثير كان ينعق فيها البوم. عاد أهل هذه البلاد إلى حياة البرية والتدثر بالأشجار والخيام. كان يساءل نفسه كيف يمكن أن تقوم قائمة لهذه الأرض بدون مدن. أحس كأن الانسحاب الذي بدأ بمعركة العقاب سوف يستمر وأن السبنيول والبرتغاليين وربما شعوبا أخرى سوف تصل إلى أرض المغرب الإسلامي وربما تتعداها إلى ما دون ذلك. قرأت في بعض الكنانيش القديمة أن أحد الفقهاء شاهد وهو في طريقه إلى درعة على الطريق المراكشية الرابطة بين آزمور ومراكش طوابير من الجياع والمرضى وهو يمشون في اتجاه الشمال. كانوا في أحسن الأحوال يلبسون أسمالا لا تستر حتى عوراتهم. ورغم حالاتهم المزرية هاته فإنهم لم يكونوا يسلمون من الأعراب الذين كانوا يهاجمونهم فيأخذون النساء والأطفال ويختارون ما يصلح منهم للبيع ويطلقون العنان لشهواتهم الحيوانية في الباقي على مرأى من أهلهم وذويهم. كانت جحافل الجياع تضطر إلى أكل الحيوانات الميتة جوعا كالقطط والكلاب وحتى الفئران إن هي توفرت. من جهة أخرى تفاقمت الأمراض والأوبئة وصارت تحصد كل يوم العشرات بل المئات ومن خيرة شباب البلد في كثير من الحالات. دفع الجفاف وتلف المحاصيل الزراعية بعدد من القبائل إلى التحرك في اتجاه المراعي المنبسطة. وهكذا بدأ الاحتكاك القبلي يتعاظم ويتركز في اتجاه السهول الأطلنطية. فقبائل الريف، وقبائل جبالة سارت باتجاه السهول الموجودة غرب فاس وصارت تكون كماشة تحيط بمملكة فاس التي كانت عرضة أيضا للهجمات
المتكررة للأعراب. كما تحركت الفرقة الجنوبية لقبائل صنهاجة من آيت إدراسم وزيان نحو سهول السايس. ومن الجنوب الغربي تحركت قبائل مصمودة في اتجاه سهول دكالة وعبدة والشياظمة. كما كان آيت حديدو وآيت شخمان يستعدون لتخطي الأطلس والانقضاض على سهول تادلا والشاوية. كان تحرك القبائل هذا ينبئ بحروب طاحنة تأتي على ما تبقى من هيبة الغرب الإسلامي. كان الأوروبيون، بطريقة أو أخرى، يساعدون على هذا التحرك القبلي لأنهم يجنون منه الربح الكبير. كانوا يمدون القبائل بالسلاح ولا يستعجلونهم في الأداء بل يشترطون فقط النصر. وفي حالة الهزيمة فإن المنتصر كان يؤدي دين المنهزم. كان التجار الأوروبيين يبرمون معاهدات مع القبائل على هذا الأساس، والكل كان يعرفها ويتفق عليها. لم يكن هذا الحراك القبلي ذا بعد ديني أو روحي لكنه عندما صار يتسع أخذ رؤساء القبائل الطامحين إلى السلطة يعتمدون على بعض الزوايا حتى يبرروا بسط سيطرتهم على الأرض ويدعون هم أيضا للجهاد ضد النصارى الذين يزودونهم بالسلاح والمواد المصنعة. تحرك القبائل لم يكن يوازيه إلا استيلاء الأوروبيين على الثغور المغربية. كان يمكن لأي كان أن يسيطر على طرق الملح أو الذهب، أو يسيطر على الأرض أو على الإنتاج الحيواني أو الفلاحي، إن هو توفرت له أسباب ذلك من خيل ومحاربين، ولكن لم يكن باستطاعة أحد أن يتعامل مع الخارج. كانت القبائل الثائرة سيدة اليابسة والأوروبيون أسياد البحر. وكأن قدر السلطة المغربية كان هو أن تبقى سجينة هذه الكماشة وهذا الطوق الذي يحيط برقبتها من جميع الجهات. أصبح شيوخ القبائل لا يعبئون بوجود السلطان. قلت مداخيل الدولة من الجبايات وأصبحت تثقل بالضرائب كاهل الذين يخضعون لسلطتها وخصوصا سكان المدن. لذا لما انفصلت دولة مراكش عن فاس رأى كثيرون أن في هذا حسنة. فبإمكان أبي القاسم، في رأي هؤلاء، أن يجمع حوله قبائل الأطلس والحوز والسوس وكذا الولايات الإفريقية ويقوي دولته ليصبح بمقدوره تحرير الثغور لتنتعش التجارة مع العالم. كان بإمكانه لو أنه استطاع التأليف بين القبائل الأمازيغية إخضاع الأعراب المتعاونين مع البرتغاليين والسبنيول ونفيهم إلى الصحاري
البعيدة ثم الانقضاض على الثغور. لكن شيوخ القبائل لم يكونوا يرون مصالحهم في الوحدة. أضف إلى ذلك كثرة الأمراء والدعاة و الدجالين وأنصاف العلماء الذين دفعت بهم المجاعة وضيق الحال إلى الخروج إلى البوادي ونشر الحقد وروح الثورة على السلطان. أصبح الخروج على السلطان غريزة ثانية مزروعة في بني البشر بهذه الأرض. هذه الحالة دفعت بعدد كبير من المغامرين الأوروبيين إلى التفكير في الانتقال إلى أرض المغرب والاتجار في الحرب أو السياسة بل ذهب الأمر ببعضهم إلى التفكير في تأسيس إمارة خاصة به. فأصبح من غير الغريب أن تجد قائد أحد الجيوش السلطانية من العلوج أو مستشار أحد شيوخ القبائل نصرانيا من لوندريزة أو مرسيليا أو حتى فلورنسا. كانوا يأتون هنا ويدعون أنهم أعداء للسبنيول والبرتغال وأنهم متبحرون في علم الحيل الحربية النصرانية وأنهم يعتبرون أنهم يحاربون نفس العدو. لقد كان منهم في بلاطات الملوك ودواوين قواد الجيش. وغاب عن أذهان الناس أن هؤلاء العلوج ما هم في الوقع إلا من المغضوب عليهم في بلاطات ملوكهم هناك وأنهم وحتى يكفروا عن ذنوبهم جاؤوا للتجسس على بلاد الغرب الإسلامي لصالح رؤساءهم. الأدهى والأنكى أنهم كانوا يحصلون على رخص خاصة من السلاطين وقواد الجيش لكي يحافظوا على عاداتهم بل ويجاهروا بها، كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ومراودة النساء عن أنفسهن. بل كان منهم من لا يتورع في الخروج إلى الناس في لباسه الغريب حاملا قبعته في يده، وثيابه لصيقة بجسده حتى تخاله عريانا. وكانوا كلما صادفوا امرأة قل أو علا شأنها في الشارع يزيلون قبعاتهم تم ينحنون أمامها إجلالا وإكبارا ملوحين بقبعاتهم وكأنهم يكنسون بها الأرض. كل هذه الأمور كان يستغلها الدعاة لتجييش العوام ضد السلاطين. كانت العامة تبحث عمن تلبسه سبب ما أصاب البلاد من شرور. كيف يمكن أن نشرح أن هذه البلاد كانت سيدة العالم وكانت مهابة الجانب بينما هي اليوم عرضة للكفار المشركين الذين لا يؤمنون برب العالمين؟ ما الذي غير حالنا؟ كيف يمكن أن تتركنا العناية الإلهية هكذا في ضلال مبين؟ ما الذي فعلناه أو ما الذي لم نفعله حتى صرنا على هذه الحال؟ كنت تسمع هذه الأسئلة
وغيرها كثير على لسان الدعاة والخطباء والأئمة والمجاذيب والحمقى وكل من أتيحت له فرصة الكلام. وكان بالطبع لكل متكلم جواب وفتوى يحاول إقناع الآخرين بها بحسب ما أوتي من مال أو فكر أو سلاح. وكان مجمل الأفكار يدور حول شرور تخلي الناس عما ورثوه عن السلف أو التعلق بأفكار ومخترعات الأجنبي. على أنه كان هناك من يقول بالأخذ بمخترعات الأجنبي دون الأخذ بأفكاره. ودعاة هذا الرأي كانوا من مستعملي الأسلحة والأدوات البحرية التي كانت قد تطورت في أوروبا بفعل سيطرة دولها على المياه العالمية. كان الداعون إلى مقاطعة مخترعات الأجانب يطورون حججا انتهت بهم إلى رفض كل المبتكرات أيا كان مصدرها على اعتبار أن كل محدثة بدعة...وحجتهم في ذلك كون السلف لم يحتج لأي اختراع لكي يقبض على ناصية الدنيا. لذا اقترحوا إحراق السفن والاكتفاء بما لديهم من سلاح للدفاع عن حوزة الأرض والامتناع عن رؤية وجه أي أجنبي لأن مجرد رؤيته تسبب الدخول إلى النار. وهكذا كان فكانوا كلما تقدم العدو وأحسوا بضعفهم أمامه كلما تراجعوا إلى الجبال للاحتماء بها مفسرين ذلك على أنه فضيلة. بل اختلقوا حديثا صار له شأن كبير عند علماءهم ومفسريهم يقول: "إذا رأيت وجه نصراني في الدنيا فلن تر وجه الله يوم القيامة". كان تراجع بعض القبائل للجبال وتقدم الأخرى نحو السهول يحدث احتكاكا لم تستفد منه إلا القوات الأجنبية التي كانت تتقدم بسهولة. وهكذا لم يكن غريبا أن يرى الناس بعض فيالق البرتغاليين تصل إلى سيدي بوعثمان على مشارف مراكش أو تتجاوز شيشاوة بل تكاد تصل إلى أمزميز دون أن يعترض سبيلها أحد. برع سكان المغرب الإسلامي في الحروب الأهلية وفي التواطؤ مع الأجانب. كان السبنيول وهم يحتلون أكادير والتي أطلقوا عليها أسم سانطا كروز يتوغلون في الجبال الأطلسية وينهبون أملاك الناس الأبرياء تم يقفلون راجعين إلى حصنهم المنيع. في خضم هذا التلاطم القبلي كان عمران وحكومته التائهة يستعدون للخروج من ليلهم الطويل. كانت الجماعة وقد أنهكها المشي ذات ليلة وقبل أن تجد ملجأ آمنا سمعت نباح كلاب من بعيد ورأت شيئا ما يشبه فتيل صومعة عند الفجر. ونظرا لاتجاه النجوم وانبساط الأرض وعدد
الأيام التي انقضت منذ بداية السفر المشئوم، استنتج العارفون بتضاريس المنطقة أن الأمر يتعلق ببلاد الأوداية. كان تجار مدينة مراكش يعرفون أن قبائل هذه المناطق لم تكن تؤيد أبا القاسم ولا أخاه لكنها رضيت بما أتاها الدهر وقبلت بيعة السلطان على مضض. فضل التاجر الحكيم أن يذهب إليهم هو ويحيى الذي كان يلبس ثياب قاض مسلم وكان يتقن كما سلف اللغة العربية حتى كنت تخاله فقيها من قاع فاس. كان الغرض من الزيارة هو معرفة مصير مراكش أولا تم معرفة مصير محلة عبد الله التي تبخرت. عند انبلاج الصبح صعد أحد أفراد الجماعة إلى مرتفع وحاول أن يتبين حقيقة المنطقة فلاحت له قرية من بعيد. كانوا كالمتروكين لحالهم في جزيرة بعد غرق مركبهم. حاول كل واحد إقناع الآخرين أن بإمكانه أن يقوم بالمهمة على أحسن وجه. كان الجوع والتعب قد أخذ منهم مأخذه وأصبح كل واحد يفكر بالنجاة حتى ولو كانت بالهلاك. استطاع التاجر أن يقنعهم بسداد رؤيته وخرج هو ويحيى متوجهين نحو المجهول. كانا يمشيان بصعوبة كبيرة وهما يحاولان الظهور بمظهر يليق بالأعيان رغم أن الجوع والتعب أفنيا لديهما كل الرغبات إلا الرغبة في البقاء مع ما يستلزمه ذلك من نبد للقيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية. كان الآخرون يتابعون مسيرتهم وكأنها دامت ألف عام. منهم من أغمي عليه ومنهم من فقد السيطرة على أعصابه وإذن على جميع الأعضاء التي تتطلب انضباطا خاصا في مثل هذه الظروف. وقليل منهم بقي يراقب بهدوء وحذر وصول السفراء إلى أرض الخلاص. كان القاضي والتاجر يحثان السير بما توفر لديهم من قوة. وبينما كانا يقتربان من القرية خرج لهم فيلق من الكلاب الشرسة في عزم أكيد على التهامهم. سقط السفيران مغشيا عليهما ولم يستفيقا إلا وهما وحيدين بين جدران غرفة غير مغلقة. كانا يلبسان ثيابا نظيفة وانتبها إلى أن جسميهما كذلك نظيفان. أصيب التاجر بالهلع وهمس في أذن صاحبه لقد جردونا من ملابسنا إذن؟ أظن ذلك وهذا شيئ حسن لقد هلكنا إذن لقد عرفوا كل شيء، وأشار بيديه إلى ما بين فخذيه ما ذا تقصد؟ الختان؟ أنسيت أني يهودي وأن الختان فرض يهودي قبل أن يكون سنة إسلامية. وبينما هما يتهامسان دخل عليهما حيث هم
شابان مسلحان ببندقيتين وقد تدلى من حزاميهما خنجرين وطلبا منهما بالإشارة أن يتبعانهما. سارا وراءهما في سراديب الدار حتى وصلوا إلى غرفة فسيحة بنيت على الطول وتوجد في الجهة المقابلة للباب نافدة تفتح على سهل ممتد إلى ما لا نهاية. فهما أن الغرفة في الطابق الأول من البيت. جلس ثلاثة أشخاص في الإطار التي تقتصه النافدة من النور الذي يدخل الغرفة ويضيئها بالكامل. لم يكن باستطاعة السفيرين المنهكين أن يريا وجه الأشخاص الثلاثة نظرا لقوة الضوء. سمعا صوتا يأتي إليهما وكأنه صادر من قوة لا مرئية ويأمرهما بالتقدم نحو النافدة. فهما ذلك من إشارة اليد التي تلوح في اتجاههما. أحسا من نبرة الصوت أنهما في أمان. وبالرغم من ذلك كانا يسيران وظهريهما مقوسين شيئا ما لإظهار التواضع أو الخوف أو لاصطناع الاحترام. كان الرجل الذي يتوسط الجلسة شيخا متقدما في السن لكن ذو بنية قوية. كان يبدو أيضا أنه رأس هرم الجماعة. أشار إليهم بالجلوس مرحبا بهما دون مبالغة. كان يتكلم عربية ركيكة فيها خليط من نبرة الأعراب و أمازيغية من أحواز مراكش. لم تكن المرة الأولى التي وجد فيها التاجر نفسه في وضعية صعبة كهذه. لقد كان آخر ما حدث له خلال سفره تيه السفينة التي كان اكتراها مع عدد من التجار من أجناس وأديان مختلفة وكانوا يودون التوجه بها من البصرة ببلاد العراق إلى أصقاع إفريقيا. كانت السفينة محملة بأنواع مختلفة من الزرابي والأقمشة والعطور والأسلحة والكتب وحتى الأفيون المجلوب من خراسان. تمت هذه الصفقة بطلب شخصي من أمير زنجبار. لكن ربان السفينة أخطأ الحساب و دخل ميناء دار السلام. كان التجار يعرفون ثقة سكان هذه المناطق بالعرب والمسلمين وخصوصا الذين هم من شمال إفريقيا. فوقع اختيار التجار على التاجر المغربي، عبد الله المتوكي هذا هو اسمه، للدخول إلى قصر الأمير والتفاوض معه بشأن حمولة السفينة. نصحه أحد التجار العرب من أصل بحريني عارف بأمور الأمراء أن يقول لحاكم دار السلام كل الحقيقة. الكل كان يعرف العداء المتأصل بين أمير دار السلام وأمير زنجبار، فكيف يمكن إقناع هذا الأخير بعدم حجز السفينة وما فيها وربما إعدام ركابها؟ يا عبد الله
أعرف أنه يقدر ملوك فاس، فما عليك إلا أن تأخذ معك بعض الهدايا من تجارتنا وأن تدخل عليه وتبلغه سلام ملكك وتقص عليه أمرنا و لا أظن أنه سوف يرد طلبك. سوف يحجز السلع ويتركنا لحالنا. سوف أحاول رغم أنني لست متأكدا من نجاح المهمة. دخل عبد الله عند الأمير فرحب به هذا الأخير عندما علم بأنه مبعوث ملك فاس. أهلا بفاس، وبمن جاء من فاس. لدينا هنا تجار كثيرون تزوجوا من بناتنا ولهم أولاد نعتبرهم أولادنا. بل نحن نعتبر أنفسنا أمراء من طرف ملك فاس على هذه المناطق السعيدة. سيدي جئتك بهدية بسيطة، ذلك أن ملك فاس طلب مني إن سمحت لي الظروف بالمرور من هنا أن اطلب مقابلتك وأن أبلغك سلام مولاي السلطان. مرحبا بك، أنت ضيفي من الآن وحتى تقضي مآربك في دار السلام. من دخل دار السلام فهو آمن. بعد أن أخذ الأمان طبعا من الأمير، حكى عبد الله الحكاية بتفاصيلها. أمر الأمير بإعادة السفينة إلى مالكها وسمح لها بمتابعة السفر إلى وجهتها دون التدخل في تفاصيل حمولتها. من جهة أخرى حمل عبد الله المتوكي رسالة إلى ملك فاس وهدايا لم تر عين أهل الغرب الإسلامي كله مثلها من قبل.
لما دخلت السفينة ميناء زنجبار طلب التاجر البحريني من عبد الله أن يتوجه لأمير البلد ويحكي له ما حدث لهم مع أمير دار السلام. وهكذا أصبح التاجر المغربي سفيرا فوق العادة لملك فاس يفاوض باسمه دون أن يتوقع الويلات التي سوف تجلب عليه هذه المساعي الحميدة. تأمل الأمير الزنجباري موقف عدوه طويلا تم طلب من المتوكي أن يقوم بدور المفاوض بينه وبين زميله بدار السلام. وكان أن استتب السلام في تلك الديار وعاد التاجر محملا بالهدايا والرسائل لملك فاس.
اختار عبد الله المتوكي أن يستقل إحدى السفن البرتغالية العائدة من الهند عن طريق الجنوب الأفريقي وتوقف بثغر آسفي حيث حمله البرتغاليون رسالة أخرى إلى أمير مراكش آنذاك، أبو القاسم. لكن ما إن وصل إلى المدينة حتى أعلن عن وفاة ملك فاس وانقسام أرض المغرب إلى مملكتين. فما كان منه إلا أن لجأ إلى ملك مراكش و أسر بما لديه للحاجب عبد السلام ابن الساسي. أحس هذا الأخير بأن التاجر سوف يحظى بمرتبة مزعجة لدى السلطان فاستولى على الرسائل والهدايا وقدم عبد الله المتوكي على أنه متطاول على مهمة لم يكن مؤهلا لها أصلا. لذا وضعه تحت المراقبة في انتظار استتباب الأمر لأبي القاسم والنظر في أمره. جمع التاجر تجار السوق الموالين له وبعض من كانت لهم مشكلة كبرت أو صغرت مع أبي القاسم في أيام إمارته وصار يتهيأ لأسوء الأمور. وهكذا عندما ظن أن عبد الله ابن أخ سلطان مراكش قد استولى على العرش انتهز فرصة الظهور وأخذ المبادرة ليكون من المبايعين الأوائل. كان يحاول أن يصل إلى الأمير عبد الله وإخباره بالرسائل الموجهة إلى ملك فاس الشرعي وكذا الهدايا النفيسة. لم يسعفه الحظ مرة أخرى وهاهو يجوب الآفاق عله يجد حلا لمآسيه.
قرر، دون استشارة يحيى، أن يقول كل الحقيقة للشيخ الذي كانت تظهر ملامح وجهه وكأنه يعرف جزءا من الحكاية. هي التجربة في مثل هذه الظروف. خيل إليه وكأن الشيخ يتساءل عن سبب وجود أناس من هذا المقام في هذه الفيافي القفرة في تزامن مع ما يحدث في مراكش. وقبل أن يسأله أحد الجالسين بادر هو إلى القول لقد غادرنا مراكش أنا ورفيقي يحيى الذي هو يهودي أندلسي في الحقيقة وليس قاضيا كما يمكن أن يفهم من ملابسه التي تفضلتم بإزالتها مشكورين. لقد كان هو في محلة عبد الله... بقي يسرد حكايته وكلما حاول أحد الجلساء أن يتدخل أوقفه الشيخ بإشارة من يده متبعا بإشارة أخرى في اتجاه عبد الله المتوكي أن أكمل. صمت عنيف كان يخيم على الغرفة حيث كانوا يجلسون. كان التاجر يعول كثيرا على تدخل أحد مستمعيه حتى يستشف منه موقفهم و يعرف كيف يطور براهينه. بدأ الشك يتسرب إليه من أن الجماعة لا تثق بما يقول وظهرت عليه علامات الارتباك. اسمح لي سيدي لقد قضينا أياما وليالي في المشي من دون نوم أو أكل. لم نكن نشرب إلا مياه النهر فبعضنا سوف يقضي إن لم نطعمه. يمكن أن أتابع إذا تناولت بعض الطعام. انفرجت أسارير الشيخ و كأن شخصا أسر له بشيء بخصوص هؤلاء الغرباء. أنت تطلب أن أستضيفك والجماعة التي معك؟ طبعا سيدي، اسمح لي لقد كنت منهكا ولم ألتزم أصول اللياقة. قدم كل منهما نفسه للآخر ففهم الشيخ أن المتكلم ينتمي لقبيلة معروفة ومهابة الجانب لكن الذي لم يفهمه هو لماذا لم يتوجه إلى قبيلته عوض التيه في البادية الخلاء. توجه إلى الحراس وطلب منهم البحث عن باقي الجماعة. الأصول تقتضي الضيافة أولا تم البحث والتقصي بعد ذلك. لما رأى عمران ورفاقه الحراس وهم يتوجهون إلى حيث كانوا يقبعون خرجوا كالفئران من الجحور مطأطئين رؤوسهم مستسلمين للقدر. بعد أن أكل الجميع وتعافى أكد لهم الشيخ أن جواسيسه رصدوهم منذ اليوم الأول من ظهورهم على ضفاف تانسيفت ولكنهم تابعوا تحركاتهم في انتظار الذي يأتي. وعن محلة عبد الله لم يتلقوا أي جواب، بل ادعى الشيخ أنه لم يكن له علم بهذه المحلة. لكن من الذي يحكم مراكش اليوم؟ أعبد الله أم أبا القاسم؟ لا هذا ولا ذاك، يقولون أنه سلطان
رمت به السماء حيث يحلق العروسي و البودالي. إن خطأ أبا القاسم وعبد الله وسكان أبي الأعوان هو محاولة القضاء على هذين الوليين. أنظر ما الذي يحدث الآن. يهود ومسلمون يطردون من الأندلس، نحن ملاحقون بأرضنا. لقد تنقلت قبيلتي من مدينة تيط قرب إيمازيغن هربا من البرتغاليين واستقرت بالسهول البعيدة عن الشاطئ وها نحن ملاحقون اليوم من طرف البرتغاليين. أظن أن الأولياء منا لديهم الجواب عن حالتنا. نحن ننتظر هدوء العاصفة لننتقل إما شرقا أو جنوبا لكن المصامدة يتقدمون نحو الشمال وبيننا و بينهم قبيلتك متوكة. لو كانت قبيلتي قوية لكنت اتجهت إليها لتحميني من حاجب أبي القاسم، سوف تندثر القبيلة أو تتعاون مع الأجنبي. التعاون مع الأجنبي، أعوذ بالله العظيم هذا هو الشر بعينه. اسمع سيدي لقد زرت بلادا كثيرة وخصوصا ديار الإسلام، هناك تراجع في قوة هذه البلاد وتفوق في قوة الأوروبيين. إلى متى سوف نهرب؟ إما أن ننتهي كأمة وإما أن ندوب في الحضارات الأخرى كما ذابت هي في الحضارة الإسلامية. يا عبد الله والله لو لم تكن ضيفي لكنت أجبتك بغير اللسان. هنا تدخل عمران الذي ظل صامتا طوال الوقت يتابع المبارزة السياسية بين سلطة السيف وسلطة التجارة وبالطبع بين منطقين مختلفين. لو يسمح لي سيدي الشيخ، لن أتجرأ على الخوض في نقاش من هذا المستوى لأنه لا سني ولا موقعي الاعتباري يسمحان بذلك. ولكنني كما قلت لزملائي من قبل فلقد سمحت لي ظروف خاصة بأن أعيش في بلاد النصارى وأن أطلع على ما وصلوه من رقي وحضارة وما اكتسبوه من حيل ميكانيكية وخطط حربية. إنهم يتكلمون اليوم عن النهضة. معنى أنهم فهموا أن ما فات من حياتهم كان انحطاطا ولذا فهم يقومون اعوجاجه اليوم. يا عمران أفضل أن يسمع منك موسى هذا الكلام. إنه ولي من أولياء الله، يهودي صالح يتبرك به اليهود والمسلمون. يوجد في هذه القرية منذ أن دخلناها وهو مصمم العزم على عدم مغادرتها إلا ميتا. إنه يقول أن هذه أرض أجداده ولا يمكنه أن يتخلى عنها. سوف نقودك إليه وحدثه بما قلته. اتركني الآن مع المسلم الذي يريد أن ندخل النار برؤية وجوه النصارى. يا سيدي لقد سمعت هذا الحديث مرارا وهو حديث منتحل لا
علاقة له بالرسول. إن الإسلام والمنطق يدعوان إلى محاربة من هاجمك في ديارك أو الخضوع له إن كانت قوته أكبر منك. و هاهو عمران يحدثنا بما رأى في روما وبعدم قدرة أهل الغرب الإسلامي على مقاومته...وأن...ما...إلى..
لم يقتنع الشيخ بحجج المتوكي ولا براهين عمران على الرغم من اعترافه لهما بالمعرفة وحصافة الرأي. لم يكن بمستطاعه أن يرى ما لم تره الجماعة. "لا يخرج عن الجماعة إلا الشيطان. أتكون كل هذه القبائل التي تتحرك وتتراجع نحو الجبل لحماية الناس والدواب على خطأ؟ وحتى إن كانت براهين هذين الرجلين صحيحة فإن رأي الفقهاء لا تجوز مخالفته". هكذا كان الشيخ يكلم نفسه وعيناه تتفحصان المتكلمين البارعين اللذان كانت عباراتهما تنفذ إلى قلبه وتزعزع إيمانه بالفقهاء والدعاة والمشعوذين. فجأة استيقظ من حلمه ونادى الحراس وطلب منهم أن يصحبوا عمران ويحيى ويعقوب عند موسى الولي الصالح. طلب منه الباقون إن كان بإمكانهم أن يرافقوا أصدقاءهم اليهود للوقوف على صلاح الرجل فرد عليهم أنه يريد الحديث إليهم أولا ثم يبعث معهم بعد ذلك من يدلهم على مقامه.
وصل عمران ورفيقاه عند الرجل الصالح فوجداه داخل غرفة متواضعة لكنها نظيفة. لم يكن بها من الأثاث إلا صندوق خشبي ضخم وزربية شيشاوية لا زالت رسوماتها واضحة. كان يلبس معطفا أسود شفافا يغطي كل جسده ويضع على رأسه القبعة اليهودية المعروفة بأرض المغرب الإسلامي آنذاك. لم يكن عمران يؤمن بالأولياء ولم تكن قناعاته الدينية قوية. فمنذ مقامه بالأراضي الإيطالية صار يحكم العقل في كل شيء حتى في الإيمان. كان يتساءل كسائر سكان الأندلس عن دور العناية الإلهية في مثل هذه المآسي التي يعيشونها وفي سبب تخليها عنهم. وكان وهو يدفع بتساؤلاته إلى حدودها القصوى يفقد إيمانه بالديانات كلها. كان واقعيا يحاول أن يحلل الحياة والأحداث التاريخية من منطق المنفعة والربح والخسارة. لم يكن يهمه من موسى ولايته ولا صلاحه، كان يبحث عنده عن مدخل آخر لمراكش ولعشيرة اليهود بها ثم الالتحاق بمحلة عبد الله عند تحديد مكان تواجدها وإكمال المشروع الذي جاء من أجله.
انحنى الثلاثة على الشيخ الوقور وقبلوا رأسه بحسب العادة المتبعة في البلاد تم جلسا قبل أن يأذن لهم بذلك. أراد عمران أن يقدم له نفسه وزملاءه لكن الولي الصالح أوقفه بحركة من يده وابتسامة ملتبسة جعلت عيناه الصغيرتان تلمعان في خليط من المكر والغبطة. لا داعي، أعرف يا عمران، هذا يعقوب وهذا يحيى. لقد كنتم في محلة عبد الله. ذهبتم إلى مراكش والتقيتم المرحوم شمعون. تشبثتم بخيط العنكبوت وها أنتم الآن تجرون وراء السراب بل دخلتم دهاليز الظلام. والأدهى من هذا كله أنكم، وخصوصا أنت يا عمران، تجرون وراءكم جماعة من اليهود قصار العقول. من أين لك بكل هذا سيدي؟ هل كنت ترافقنا في المحلة؟ هل رجعت من مراكش؟ كيف عرفت أن شمعون مات؟ وما الذي أماته؟ لا داعي لمعرفة من فعل كذا وكيف، المهم أن تعرف أين أنت الآن من مشاريعك الخيالية وكيف ستخرج من الورطة التي وضعت فيها نفسك ومن تبعك. وبما أنك تعرف كل شيء فهلا قلت لنا أين هي محلة عبد الله؟ إذا كنت تريد أن تلتحق بعبد الله فأنا أدلك على الطريق. لكن لا أظن أنك ستوافق على الالتحاق به. قل أين هي المحلة دلنا على الطريق بربك. سوف أدلكم على الطريق لكن لدي شرط واحد. إذا لم تستطيعوا الذهاب عند أميركم فعليكم أن تنفذوا كل ما سوف أقوله لكم. لقد قبلنا شرطك اسمعوا جيدا إن عبد الله أخذ طريق فرعون عندما كان يلاحق موسى عليه السلام. فهل تستطيعون السفر؟
كان الولي موسى يتحدث كمن يتحدث إلى نفسه غير عابئ بمن حوله، وكان الثلاثة وقد أصيبوا بصدمة عنيفة يتصورون وجوه اليهود الذين رافقوهم من أعماق الأندلس والذي نجوا بأعجوبة من الغرق مرات عديدة دون أن يكونوا في حماية أحد يغرقون اليوم وكيف تبعوا فرعونا دون أن يفطنوا لذلك. "...سبب ذلك هو الطمع، إنه يعرض الإنسان لكل المخاطر وكلما عظم الطمع عظم خطره. كيف لك أنت يا عمران، أنت الذي سافرت ودرست بجوامع الفرنجة واطلعت على حيلهم ، كيف أنك لم تفهم ولم تقرأ في الآية التي أرسلها العروسي و البودالي أنهما وليين صالحين ينتسبان مباشرة إلى سلالة إبراهيم وموسى عليهما السلام؟ كيف فسرت نجاة العروسي من النار؟ وتحليقهما في الهواء؟ والهرج والمرج الذي حدث في مراكش وشاركتم فيه ثلاثتكم؟ ألم يذكرك هذا بالنصوص المقدسة التي تدعي معرفتها؟ فرعون ومن تبعه. أتمنى أن تفهموا أن في نجاتكم آية لمن يعتبر. أظن بل أنا متأكد أن في بقاءكم طلب لكم لكي تنقذوا من بقي من بني عشيرتكم. فلقد أدى تهور شمعون إلى العبث بحي اليهود في مراكش وأنتم على علم بهذا، كما أدى إلى الإتيان على جماعة من خيرة محاربينا بالجبال ممن كنت تود أن تعتمد عليهم في مشروعك أليس كذلك؟"
أحس يحيى ويعقوب أن عمران كان يخطط لشيء لم يكونا على علم به. كانا كلما ركز الرجل الصالح في كلامه على عمران كلما انتابهم الشعور بالخوف وفي نفس الوقت الاطمئنان لوجودهم في هذه القرية الهادئة وبين يدي الولي موسى. نفس الأسئلة كانت تراودهما وكانا يترددان في طرحها على عمران أو على الشيخ نفسه. لكن موسى لم تكن تفته مثل هذه الأمور، لذا تابع وهو لا يتوجه لأحد بالضبط. " كنت تريد أن تؤسس إمارة لليهود. هذا ما وعدك به عبد الله. كان يريد أن يفرضك مهديا عائدا على عشيرتك. هذا ما كان يقوله لك. كنت تؤمن بذلك. ألم تكن تعرف أن النفس أمارة بالسوء؟ أو فاتك العهد الذي قطعه أسلافنا على أنفسهم مع أمراء المسلمين؟ الالتزام بجمع الشمل والانتهاء من الخروج كل مرة بمهدي كذاب؟" هل في تكوين إمارة لليهود عيب يا مولانا حتى ولو كان عمران لم يخبرنا بذلك وفي هذا بالطبع خيانة من الصعب أن نسامحه عليها. ليس هناك عيب فقط، فنقض العهد يعد خيانة كبرى. هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإنه في تأسيس الإمارة هلاك لبني إسرائيل. أو لم تر أن جميع الشعوب والحضارات تبدأ تاريخها بحدث أرضي معين إلا نحن. نبدأ تاريخنا ببداية الخلق الأول. نحن خارج التاريخ ولذلك يجب أن نبقى خارج التداول والتعاقب الأرضي للدول. فما من شعب أو حضارة دخل دورات التعاقب والبدايات إلا وانتهى يوما ما. هل تريد أن ننقرض كيهود ونحيا كدولة؟ أن نرتبط بمكان وزمان نحيا بحياته ونندثر باندثاره؟ انظر إلى أمر الأدارسة والمرابطين والموحدين...وأين هم الأمويون، بل وأين الرومان والفينيقيون أين المصريون والأحباش، أين ممالك بابل وفارس؟ دخلوا طاحونة التاريخ فالتهمتهم. أنتم لم تقرءوا جيدا ما كتبه موسى ابن ميمون وما كان يقوله أولياؤنا وصلحاؤنا قبله. لقد جاءتكم رسالة من السماء فافهموها". وماذا تطلب منا هذه الرسالة يا مولانا؟ لقد أعمت الدنيا أبصارنا وبلدت السياسة حواسنا وصار من الصعب علينا ن نسمع نداء الرب. أنت صادق يا يعقوب وصدقك يقربك من فهم المعاني الخفية للرسالة السماوية. لن أجيبك اليوم ولكن الجواب سوف يأتيك من حيث لا تحتسب.لن تغادروا هذه الغرفة وأحس أننا هذه الليلة سوف نرى
عجبا. لكن لقد واعدنا أصدقاءنا المسلمين بالرجوع عندهم. ثم إن قواعد الأدب تقتضي أن نعود إلى مضيفنا ونستشيره في الأمر. لا زلت متشبتا بمشروعك يا عمران. لتعلم أن الشيخ ما طلب منكم القدوم إلي ونصح الآخرين بالبقاء إلى جانبه إلا لأنه يقرأ الرسائل السماوية أحسن منكم. اخرجوا إلى القرية وتجولوا فيها لا خوف عليكم، إنما أنصحكم أن لا تعودوا عند شيخ القبيلة، إذا اقتضى الحال أو كان هناك أمرا ما مستعجلا سوف يتصل بي.
خرج عمران وصحبه يمشيان في القرية ويتفرجون على سكانها الذين لم يكونوا يختلفون في شيء عن جحافل الجياع الذين كانوا يتوجهون إلى الثغور المحتلة طلبا للأكل. كانت بشرة الأطفال مغطاة تماما تحت الأوساخ والرغام يسيل من مناخيرهم ليصل إلى ألسنتهم التي كانت لا تفتر عن التهامه. كانوا يلتصقون بالجدران وينظرون إلى هؤلاء الغرباء وكأنهم ملائكة نزلت لتوها من السماء. لم يظهر أي أثر للكبار في أزقة القرية. تجول الثلاثة ما يقارب الساعتين ولما عادوا لم يجدوا الولي موسى. احتاروا في أمرهم وقرروا أن يبقوا في المكان نفسه ينتظرون عودته. لما أطبق الليل جاء عدد من الخدم يحملون أطباقا من الأكل الشهي. حاول عمران أن يسألهم لكنهم لم يردوا على كلامه، فاستنتج أن يكونوا بكما أو أمازيغ لا يعرفون العربية. أصابهم الخوف بسبب غياب الولي ولزموا مقره إلى أن غلبهم النوم. حينها رأى يعقوب فيما يرى النائم الرجل الصالح يضع ورقة تحت الزربية ويطلب منه أن يقرأها عند الصباح. نهض مسرعا لكنه لم يستطع البحث عن الورقة خوفا من مكروه ما.
عند آذان الفجر استيقظ الثلاثة وتساءلوا عن عدم عودة السيد موسى. أصر يعقوب على أن يحافظ على السر حتى طلوع الشمس. كان يريد أن يطبق الوصية بالكامل. جلس يرقب التباشير الأولى للنور وهو صامت بشكل جعل أصدقاءه يتساءلون عن سر سكوته. فتح الباب وخرج يمشي كمن ينتظر أمرا جللا. عندما رأى الشمس وقد ارتفعت قليلا عاد مسرعا ورفع الزربية وسحب الورقة من تحتها. فكها وراح يقرأ ما فيها بصوت مرتفع: " لقد جاءني في منامي اليوم بعد الظهر مولاي عبد السلام بن مشيش وطلب مني أن آتيه في مدفنه. يبدو أن اجتماعا ما للأولياء قد قرر هناك. لن أتأخر عن هذا الموعد لذا قررت أن أتبث على هذه الورقة ما توصلت به من لدن العناية العليا خلال ساعات وجدي. عليك أنت يا يعقوب أن ...وعليك أنت يا يحيى أن...أما أنت يا عمران فعليك أن...هذه وصيتي فاحفضوها واتركوها لسلالتكم ولكل الأجيال من بعدكم لستم ملزمون بتطبيقها أترك الأمر لكم، لكن لا تنسوا اتفاقنا لقد قبلتم شرطي". تأمل كل من يحي ويعقوب ما أوحت به حالات الولي الصالح وجلسا مستغرقين في فكرهما في ركن من البيت. أما عمران فإنه كان يمشي داخل الغرفة ويجتهد في البحث عن شيء ما.
دق الباب فدخل الخدم بطعام الفطور وانسحبوا كأنهم آلات لا تتكلم ولا تفقه شيئا. انقض عمران على الصحون وصار يأكل بنهم كمن يقول "اليوم خمر وغد أمر"، أما صديقاه فكانا لا زالا في تأملهما وأظن أنهما لم يفطنا للخدم عند دخولهما الغرفة. بعد انتهاءه من الأكل خرج عمران واتجه صوب بيت الشيخ خارقا بذلك وصية الولي الصالح، وخرج يحيى ويعقوب فاتجه الأول شرقا واتجه الثاني جنوبا في اتجاه أمزميز وما وراءها من جبال الأطلس الكبير. كان يعقوب يضم الورقة إلى صدره وهو يتمتم بكلمات لم يتبين أحد معناها وظن البعض أن يحيى كان يتمتم بنفس الكلمات وهو يتجه نحو وادي تانسيفت في عزم أكيد على تجاوزه.
PAGE \* MERGEFORMAT 10