Philosophie & Soufisme26 10 2026

ملائكة السراب (Malaikat Assarabe) — الجزء 2/9

ملائكة السراب، رواية لموليم العروسي — الجزء 2 من 9: مراكش بين سلطة الحب والرغبة وصمت السلطات.

مدينة مراكش خالية الآن من كل سلطة إلا سلطة الحب والرغبة والشهوات. انغمس الناس في إشباع غرائزهم بينما احتمت السلطات بالظلام والصمت. خفتت أصوات المؤذنين والوعاظ وتعالت دقات الطبول وأنات المزامير حتى أن هناك من شبه هذه الليلة بليالي قوم لوط قبل أن ينزل عليهم الغضب. فبينما كان عربيدو جامع الفناء يرددون كلام المهلهل عند سماعه مقتل أخيه: "اليوم خمر وغد أمر"، كان الملك وحاجبه وعبدالله وجنده والحاخام والوعاظ والأئمة قد دخلوا في ليل لم يكونوا يعرفون طبيعة نهايته. سوف نعرف بعد كل ماحدث أن الوليين كانا يعرفان أن بلاد الغرب الإسلامي قد دخلت عهود الظلام وأن لاأحد يعرف متى سوف تنتهي. لم تكن مملكة فاس بأحسن حالا من مملكة مراكش. كان الأوروبيون قد احتلوا عددا مهما من مدن الشواطئ وأصبحوا يحاصرون بلاد المغرب من كل الاتجاهات. كانت تلك الليلة إذن شاهدا على تحول عظيم، أجمع عدد كبير من العقلاء على أنه في غير الاتجاه الصحيح.
استفاق الناس في اليوم الموالي على مدينة بدون عسكر ولا شرطة. اكتشف الجند أن أسلحتهم سلبت منهم بل حتى لباس بعضهم اختفى؛ لذا قرروا عدم الالتحاق بعملهم خوفا من بطش السلطان. حتى كبار الجيش الذين انتبهوا إلى الحالة التي استفاقوا عليها صباحا وسط ساحة جامع الفناء فضلوا اللجوء إلى بيوت العاهرات اللواتي كن معروفات لديهم. أما السلطان فلم يتوقف إلا قبل مطلع الشمس بقليل بقرية تاركا حيث اختفى وراء أشجار أحد البساتين. نام وحاجبه قليلا داخل شجرة عظيمة قبل أن يسمعا حديثا غريبا بين فلاحين: يبدو أن ملك مراكش قتل وأن ابن أخيه عبد الله يجلس على العرش. لقد عاد الناس من مراكش اليوم خائفين من بطش العسكر. الحمد لله لقد أخذ أبو القاسم جزاءه ولا زال ابن أخيه عبد الله ينتظر. لما وصل إلى مسامعهما هذا الحوار عرفا أن عودتهما بدون مساعدة عسكرية مستحيلة، لذا يجب الحذر والتنكر أكثر حتى لا يتعرف عليهما أحد ويقدمهما هدية لعبد الله. أما في مدينة مراكش فإنه لم يظهر أثر للأئمة ولا للحاخام ولا أي من الوعاظ، كل أفلت بجلده واختفى في مكان آمن ينتظر الجديد.
عند مطلع الشمس تنفس عبد الله الصعداء، جمع قواد جيشه وأسر لهم بخطته. سوف يتخطى وادي تانسيفت ويهاجم مراكش على ثلاث واجهات حتى لايترك لعمه أية فرصة للإفلات. لكن أحد القواد الدهاة والذي لم ينم طول الليل للتفكير في أمر سكوت المخبرين طلب منه أن يتريث وينتظر يوما آخر على الأقل. أصر عبدالله على التقدم نحو مراكش. طلب من أحد الجنود أن يختبر مستوى مياه النهر. بعد قليل عاد الجندي وثيابه مبتلة حد الصدر. عندها قرر الأمير إعطاء الانطلاقة. تعالت أصوات الجند وتحركت المحلة في هدير كأنه الرعد أو كأنه الزلزال العنيف. لما دخلت الجموع إلى وسط الوادي تعالى الهدير حتى صم الآذان. لم ينتبه أحد إلى هذا إلا القائد الذي كان ضد غزو مراكش ذلك اليوم. صاح بما أوتي من قوة: "لقد هلكنا جميعا الوادي آت!" قبل أن يكمل كلامه كان اليم قد غطى كل شيء ولم يبق من المحلة إلا هوادج الحريم التي لم تنخرط في عملية العبور منذ البداية. لاداعي أن أصف ماحدث. هجمت العامة والسوقة والسفلة وعبثوا بشرف المحصنات وفروا بهن إلى البراري المقفرة بنواحي السراغنة. أما عبد الله فإن الأخبار الآتية من الشياظمة تحدثت عن العثور على سرج حصانه الذي تعرف عليه أحد البرتغاليين الذين كانوا قدموه له هدية على حسن تعامله معهم.
كان بالطبع بإمكان البودالي والعروسي بحكم ارتفاعهما رؤية ماحدث للأمير الذي سولت له نفسه ملاحقتهما. كما كانا على علم بالطريق الذي سلكه السلطان والمكان الذي يختبئ به هو وحاجبه. كما كانا يعلمان بما سيحدث وذلك بسبب مارآاه من حركة غير بعيدة عن مدينة مراكش. لكنهما كانا ينتظران النهاية؛ نهاية مملكة مراكش أهم دول الغرب الإسلامي في ذلك الوقت ودخولها إلى زمن الانحدار. كانا ينظران إلى الناس وهم في إخاء تام لافرق بين أبيض وأسود، ولا بين يهودي ونصراني ومسلم، ولابين غني ولا فقير. كان هذا يحدث وكأن الناس تنتظر يوم الفناء. لاغرابة إذن إذا كان كل هذا يمر بساحة جامع الفناء.
كان النهار قد تقدم والجو صحو ولا أحد يعرف أن الأمطار التي تهاطلت طوال الليل على مرتفعات تيشكة وآيت أورير ونجاد أغمات، وصبت مياهها في هدوء في وادي إيسيل ووادي الرمل وغيرهما جعلت النهر العظيم ينتفخ ويحمل معه واحدة من أكبر الجيوش المغربية. كان الناس يتجولون في المدينة متثاقلين من أثر سهرة الليل. لم تفتح الدكاكين أبوابها وفي الحقيقة لم يكن أحد بحاجة إلى قضاء أغراض ما وكأنما حصل نوع من الإشباع الغريزي الذي كان بإمكانه أن يجعل الناس تستغني لمدة طويلة.
داخل القصر كان هدوء تام يلف الجدران. لم يعد الحريم بعد، ولا أحد كان يدري أين ذهبت نساء القصر، السيدات والجواري على السواء. بقيت بعض الإماء العجائز واللواتي كن يحتفظن للسلطان بنوع من الإخلاص كأنما حقن لهن مباشرة داخل الشرايين الدموية. جاءت إحداهن لتستطلع أمر الملك الذي لم يطلب فطوره كعادته؛ دخلت قبة العرش فوجدت مكان ملكها البهلوان يأمر وينهى. ظنت أن البهلول دبر انقلابا ما على سيدها فخرجت وغادرت القصر وهي تولول: "لقد مات سيدي! لقد مات سيدي!" سمعها الناس فسألوها عمن يكون سيدها، فأجابت السلطان! تعرف عليها بعض الجنود المتنكرين فأكدوا للناس أنها أمة من إماء القصر وأن ما تقوله ربما يكون صحيحا. رجح الجميع أن يكون عبدالله قد دخل المدينة والناس غارقون في لهوهم فقتل الملك واستولى على العرش وأن الناس معرضون لبطشه. حدث هرج وفوضى لامثيل لهما.
هرع الناس إلى منازلهم يتفقدون أبناءهم. منهم من يلعن الليلة الزاهية التي قضاها مع مخلوقات لم تتمكن ذاكرته الآن من تبيان جنسها، ومنهم من يرفع رأسه مهرولا نحو ذويه وهو يطلب النجدة من الوليين الطائرين، وآخرون اهتموا بشئون سرقة أمتعة الناس وكل مااستطاعوا إليه سبيلا. كل واحد راح يؤول ماألم بالبلد من وجهة نظره لكن كل التفسيرات كانت تصب في اتجاه واحد: الندم على قضاء تلك الليلة الشهوانية وقرار صارم بالتكفير عن الذنوب عندما يستتب الأمر ويعود الآمان إلى البلد. بل هناك من انكب في مجموعات صغيرة على التفكير في ديباجة الرسالة التي سوف ترفع إلى أمير المؤمنين الجديد مع اقتراحات سخية عن كيفية وسبل التكفير عن هذا الإثم العظيم. وبما أن الأئمة، المختصين في هذا النوع من النثر، كانوا قد اختفوا عن الأنظار، فكر الناس في إبداع شكل جديد من الرسائل ونظموه على شكل قصائد تتموقع مابين لغة الضاد وأمازيغية معربة كانت دارجة في المجتمع الفاسي على الخصوص. كان النظم سلسا ومفهوما من طرف الجميع حتى لأنه أصبح جنسا أدبيا قائم الذات منذ ذلك اليوم رغم أن العلماء، وبعد خروجهم من مخابئهم، هاجموه ووسموه باللحن اللغوي. قبل الشعب هذه التسمية وأطلقها على ذاك النوع من الشعر العامي المغنى.
وقبل الاتجاه نحو القصر، لتقديم الولاء إنشادا، حرص منظمو هذا النوع من العودة إلى طاعة الله عن طريق طاعة الأمير، على التيقن من نجاعته وقدرته على النفاد إلى النفوس حتى تلك القاسية منها. فعهدوا إلى أحد مغنيي الساحة بتلحينه وإلقائه أولا على مسامع رعايا السلطان الأوفياء. صار الشاعر أو صاحب الكلام المنظوم يلقي البيت فيتلقفه المغني ويدخله قالبا لحنيا جاهزا تم يرفع عقيرته بما أوتي من قوة منشدا البيت ذاته. بدأت العامة تتحلق حول هذه المجموعة وتصفق لدعم الإيقاع الذي لم يكن غريبا عنها. وبالمقابل كان مهندسو هذه الفكرة يتمايلون نشوة واعتدادا بالنفس لنجاح خطتهم. فجأة برز صاحب الشرطة في غير زيه ودون سيفه المخيف، أشار إلى المغني أن توقف، وبعد أن طلب من الغيب أن يمد في عمر الملك الجديد، وأكد على استعداده للدخول في خدمته وعلى أنه لم يخلق لشيئ آخر غير خدمة الملوك والسلاطين وخصوصا المولى عبدالله، الذي كان حسب زعمه، يبايعه كل ليلة عندما يكون وحيدا في بيته. وأكد أمام العامة أن سبب المشكلة هو شمعون، حاخام اليهود، الذي أسدى للسلطان المخلوع النصيحة ليسمح بخروج النساء وحذره من تسليم مدينة مراكش إلى ملكها الحقيقي الذي اختارته العناية الإلهية قبل أن يختاره الشعب.
كان كلام رئيس العسس يصل إلى مسامع رحال البودالي وأحمد العروسي. فهموا أن الخراب سوف يستمرلأن العامة سوف تعيث فسادا في اليهود لتنتقم لخوفها من المجهول الآتي. وفعلا كان، فما أن أتم كلامه حتى توجهت الحشود إلى الملاح وقد استيقظت لديها الغريزة الإفتراسية المتأصلة في بني البشر. لما سمع الحاخام شمعون هديرا يقترب من مخبأه، ظن أنهم الجند فشهق وزهقت روحه من الخوف. فضل الموت على أن يخضع لعذاب الملوك. انطلقت المجزرة ولا أحد كان بإمكانه أن ينبري للدفاع عن اليهود المساكين الذين يعاقبون بذنب يفترض أنه اقترف من طرف شخص واحد لايمثل بالضرورة جميع هؤلاء الناس. إحراق البيوت، هتك الأعراض، سلب الأمتعة والأموال، تدنيس الكتب المقدسة وأماكن العبادة. كل هذا وعطش العامة إلى التخريب وشرب الدم وكأنه يزداد. أقبلت الشمس على المغيب وكان الملاح لازال تحت رحمة الجهلة، عندما تعالت أصوات المؤذنين تطالب العامة، بأمر من السلطان، بالتوقف عن النهب والإساءة للناس. كما تطالب الجيش بالعودة إلى أماكن عمله وتخبره بعفو الملك عن كل أولئك الذين تهاونوا في الدفاع عن حوزة المدينة. استبشر الناس خيرا لكن المتتبعين لأخبار الدول وروايات الملوك لم يفهموا معنى عبارة "الذين تهاونوا في الدفاع عن حوزة المدينة ". من يكون الملك إذن؟ لو كان عبدالله لكان شكرهم عوض تأنيبهم. لايمكن أن يكون عم عبد الله فشهود عيان أكدوا وجود شخص آخر مكانه. ماذا يجري بالضبط داخل هذا القصر الغريب؟
كانت أسراب الجيش تجر ما يشبه أذيال الخيبة والعار تعود باتجاه القصر. كفت العامة عن العبث بأرواح وشرف وأموال اليهود. كان الناس متمترسين داخل بيوتهم أو يراقبون الوضع من كوات صغيرة مصممة لهذا الغرض في خشب أبواب الدكاكين. حتى الأطفال لزموا البيوت ولم يبق بالشوارع إلا المجانين الذين كانوا غادروا المارستانات خلال الليلة الزاهية. كان الملاح، وبعد أن غادرته قوافل المجرمين آخذا في ترميم جسده بمساعدة بعض الصلحاء من المسلمين، الذين لم تكن شفاههم تتوقف عن كيل اللعنات لشمعون محملة إياه جزءاً مما حصل لهؤلاء الناس العزل. كان الصمت، صمت الألم والعجز يلف المدينة بكاملها، عندما سمع صوت صراخ من أعلى الصومعة الملاصقة للساحة ورأوا شخصا يرمي بنفسه إلى الأرض. هرعوا إلى المكان فوجدوا صاحب الشرطة جثة هامدة. لم يتحسر عليه أحد. علقت امرأة قائلة:" إنه أحس بالذنب لأنه هو من ألب العامة على اليهود"، أجابها أحد المارة:"وهل يمكن لهذا القلب القاسي أن يشعر بالذنب؟ لو كان يشعر بأدنى تأنيب ضمير لكان انتحر منذ زمان! ألم يكن سيف الملك وساطوره، عينيه وأذنيه؟". علق ثالث:"فليذهب إلى الجحيم، لن نتفضل عليه حتى بالتعليق على موته الرديئ والمخالف للدين الحنيف".
وحقيقة الأمر أن صاحب الشرطة ومعه أصحاب مشروع تقديم الولاء بطريقة مغايرة تتلاءم والعهد الجديد (وكلهم من الأعيان) قرأوا من الإشارات القوية التي أرسلها السلطان الجديد من وراء حجاب، أن الأمر لايتعلق بعبدالله وأنه قد يكون الملك القديم وفهموا أن في ذلك خراب لهم ولذويهم ففكر كل منهم في النجاة بجلده. وبما أن رئيس الشرطة لايفهم، بحكم طبيعة عمله، من النجاة الاالموت فقد منحه لنفسه قبل أن يفرض عليه بالطرق التي كان يتقنها أكثر من غيره. أما مبدعو الأغنية فقد استغلوا غروب الشمس لمغادرة المدينة متجهين إلى الشمال حيث كانوا يظنون أن عبدالله لازال يعسكر هناك. وهم في الطريق المؤدي إلى محلة الأمير الهالك رأوا نفرا يقارب عشرة أشخاص يهودا ومسلمين يحثون السير في نفس الاتجاه. وبعد الاستفسار والتعارف تبين أنهم من المخبرين الذين تخلفوا عن أداء مهمتهم. اتفق الجميع إذن على التماس الأعذار للجواسيس وتقديم الفارين على أنهم مكسب للأمير المتطلع إلى عرش مراكش.
كان المغني، الذي عهد إليه بتلحين المقطوعة المشئومة على واضعيها، لازال يردد بشكل آلي الأبيات التي حفظها عن ظهر قلب، وجوقته، مدعومة من بعض الفضوليين، تردد معه اللازمة التي لم تحتفظ بها الروايات التي اطلعت عليها. وفجأة وقف عليه واحد ممن كانوا يسمون بالأعيان ووضع في يده قطعة نقدية يبدو أنها كانت مهمة نظرا للسرعة التي أخفاها بها في معطفه الذي لايمكن معرفة لون ثوبه الغائب تحت أوساخ آتية من زمن بعيد. بعد ذلك أشار الشخص إلى المغني أن يتبعه هو وجوقته وباقي الفضوليين إن هم رغبوا في ذلك. ساروا في اتجاه القصر والرجل يتقدمهم رافعا يديه إلى الأعلى وملوحا بهما في الهواء على إيقاع الموسيقى. وكانوا كلما تقدموا كلما التف حولهم جمهور غفير من السفلة النشالين الذين ينتهزون مثل هذه الفرص، والمتسولين وبائعي الحلوى، والشواذ الذين يبتهجون للزحام حيث الاحتكاك الذي لايمكن تفاديه مع الأجساد الأنثوية والطفولية الغضة، هناك حيث يطلقون العنان لآلتهم الحيوانية بدون رقيب، تعبث بمؤخرات النساء اللائي كن غالبا ما يسكتن عن ذلك لما لهن فيه من لذة والأطفال الذين لا حول لهم. كما انضم إلى الموكب المجانين وأصحاب الألعاب السحرية ومروضوالثعابين. كل هذا وصاحب الحفل، أو الذي استولى عليه، لا يكتفي بتحريك يديه فحسب بل كان يحرك رأسه ميمنة وميسرة إلى الخلف كما إلى الوراء في جذبة جنونية؛ بل بلغ به الأمر إلى ارتجال أبيات على نفس المنوال الأول وسردها على المغني الذي كان يدخلها في نفس القالب دون أدنى صعوبة تذكر.
سار الموكب إلى حدود القصر الملكي، عندها أشار الرجل، الذي كان يتصبب عرقا، إلى المغني أن يتوقف وصعد فوق سرج بغل كان هناك بالصدفة ورفع صوته بالدعاء إلى أمير المؤمنين، مؤكدا له أنه كان على يقين أنه لم يمت وأن المارق عبدالله لن يصل مدينة مراكش بفضل تضافر جهود الأخيار والبررة من أبناء رعيته والذين هم بالطبع أبناؤه أولا. وعندما كان يتوقف بسبب الإجهاد الذي أصابه من كثرة الرقص والصياح، كانت العامة تهلل ببلادة بحياة السلطان دون أن تعرف من المقصود. وفي الوقت الذي أخذ ما يسمى بالأعيان،القدامى منهم والجدد، يصطفون خلف الخطيب تأهبا منهم لأخذ الكلمة تباعا للتعبير عن فرحتهم العظيمة وولائهم الذي لم ينفصم لسلطان مراكش، خرج أحد العسس من القصر ودون أن ينطق بكلمة أخذ المتكلم من رقبته وجذبه كالجرو المنهك وتوجه به إلى داخل البناية. تسمر الخطباء الافتراضيون في أمكنتهم وقطعوا أنفاسهم. ولكن حيث رأوا هم أن الطريقة التي اقتيد بها رئيسهم المحتمل لاتنبئ بخير لم تر العامة في ذلك ما يدعو للاستغراب وهكذا تابع الجمع غناءه وعويله وكأن الخطيب البارع استدعي إلى القصر محاطا بكل آيات الترحاب والتكريم.
أخذ الليل يرخي بسدوله عندما كان العسكري يندس داخل القصر ومعه المطلوب الرئيسي لمقابلة الملك. كانت الموسيقى تصدح فيما يشبه ضجة كبرى لاتحتمل بينما أخذ بعض الباعة يرتبون أنفسهم لقضاء الليلة أمام القصر احتفالا بالملك. اصطف بائعو الفول المسلوق والمبخر وكذلك بائعو الحمص؛ جاء بعدهم بائعو الحلزون المطبوخ على الطريقة المراكشية المعروفة. وفي صفوف مقابلة انتظم عدد من بائعي المأكولات الأخرى التي تقشعر لرؤيتها الأبدان وأخرى لاإسم لها تلتهمها العامة دون أن تسأل. وكأن ساحة جامع الفناء انتقلت بكاملها أمام بوابة القصر؛ صار المهرجون ومعهم الأجواق الغريبة التي يتحول فيها الرجال إلى نساء وملعبو الثعابين والأفارقة السود وبائعو الأعشاب والأشياء الغريبة التي تتمسك بها العامة، كل يهيئ مكانه لمزاولة نشاطه العادي. وبما أن حلكة الليل ساعدت على أشياء كثيرة، فإن ممارسات غريبة كانت ترتكب على مسمع من الجميع، ومنها اللواطة والقوادة وكل أشكال التفسخ الأخلاقي. كان المرء، وهو بصحبة ابنه أو أبيه أو أخيه، يسمع العامة وهي في شهيق وزفير لايمكن حدوثهما إلا بسبب ممارسات لايليق ذكرها في هذا المقام.
وكانت الطامة الكبرى لما وصل جمع كبير من العميان سمعوا متأخرين بخبر العربدة التي كانت ساحة جامع الفناء مسرحا لها فجاءوا أسرابا يبحثون عن إطفاء عطشهم الشبقي. حاول أبو العباس أن يقنعهم بالعدول عن الخروج لكنهم كسروا الأبواب وتاهوا في المدينة، دليلهم في ذلك حسهم الغريزي الذي يسيره أسفل البطن. كانوا يسيرون كالسلاسل مشدودين إلى بعضهم البعض. منهم من تاه فوجد نفسه خارج المدينة ومنهم من توفقت خياشيمه في اقتياده إلى المكان الذي يريد فيه إشباع غرائزه المشبوهة. كان الوليان وهما يتابعان تقدم سلاسل العميان يرددان سورة لوط ويتوقفان كل مرة ليطلبان النجاة لمدينة مراكش وساكنتها.
وبما أن مجموعاتهم المتشردمة كانت مجرورة من طرف دليل أعمى فإن كل واحدة منهن أخذت طريقا مختلفة إلى باحة القصر حيث الاحتفال بالملك الجديد أو عودة الملك القديم لاأحد كان يعلم حقيقة الأمر. وبما أن النقص الحاصل في بعض الأعضاء يعوض في الأعضاء الأخرى فقد كانت قوة الأعمى في قبضة يديه. فإذا ما أمسك بأحد فلن يخلصه منه إلا الحداد. فكأن قبضة يديه أصفاد معدنية. هكذا عاثوا، عند وصولهم، فسادا في أطفال الناس. لم تكن تهمهم النساء اللواتي، فضلا عن كونهن بالغات، كان يمكن أن تكن راضيات أو راغبات في مثل هذه الممارسات. كان نهمهم الجنسي لا يجد موضوعا وإشباعا لهم إلا في مؤخرات الأطفال اليافعين. فكان صراخ الغلمان يختلط بشهقات وزفرات العميان وفوق كل هذا كانت تعلو دقات الطبول وأنات المزامير وخرخشات آلات كناوة الحديدية.
ظن الناس أن الليلة الخرقاء التي سبقت العاصفة كانت هي الأخيرة تحت سماء مراكش لكن الأمر كان يبدو غير ذلك. استغل الناس هذا الاحتفال بالملك الجديد-القديم ليستمروا في حياة الملذات واستنفار الشهوات حسب روايات الفقهاء الذين كانوا قد تجمعوا في سرية تامة لجمع المعطيات حتى ينددوا بمن كان وراء هذا الجلل العظيم ويطالبوا السلطة الحالية بإصلاح أوضاع الناس. لكن كل مواقف هذه النخبة المتعلمة كانت متوقفة على معرفة من هو الجالس على العرش الآن حتى لا يضعوا أنفسهم في مواقف قد يحاسبون عليه بقسوة. من الذي أجرم في حق مراكش؟ هل من أعطى الأمر بخروج النسوة وأجج بذلك الشهوات أم الذي دفع النسوة إلى المطالبة بالخروج؟ ,من يكون ذلك الذي دفع النسوة إلى مطالبهن الرعناء؟ أهما الوليين الصالحين (بخصوص هذه النقطة بالذات لم يكن هناك اتفاق بشأن صلاح الرجلين السابحين في الفضاء)، أم هو عبد الله الذي يطاردهما والذي يقف على أبواب المدينة أو ربما هو الجالس على العرش الآن؟
استنفدت كل هذه الأسئلة وقتا طويلا من النقاش والسجال بين النخبة المتعلمة والمتضلعة في علوم الدنيا والدين. انتخبت الجماعة مجموعتين منفصلتين واحدة كلفت بالانكباب على الكتب القديمة ومعرفة هل حدث مثل هذا في تاريخ الأمة وما هي الحلول التي وصفت له ومجموعة أخرى تكلفت بتحرير ديباجة عامة صالحة لأن تكون أرضية يتفق عليه الجميع قصد تقديمها للسلطات الجديدة أو القديمة بعد هذه الهزة العنيفة التي أصابت المدينة الحمراء. كانت الأحداث تتلاحق بسرعة ونخبة الأمة مجتمعة في قبو تحت أحد المنازل العتيقة مشدودة بين النقاش الطويل حول استعمال كلمة دون أخرى في الديباجة والغوص في غبار الكتب القديمة بحثا عما قاله السلف في مشكل آني. لم يكن أحد يعلم بخروج الفقيه الشاب في فرقة عسكرية مهمة متوجها إلى سلجماسة كما لم يكن أحد على علم بما يدور داخل أسوار القصر العامر.
بقي الأعيان الجدد مسمرين أمام المغني الذي لم يكل ولم يتعب من ترديد أغانيه بل صار يجتهد في رفع صوته حتى لا تغطي عليه الآلات الجلدية والحديدية وآلات النفخ التي ملأ زعيقها المكان. كانوا في ورطة، فرئيسهم الذي استولى على شعر غيره وحاول أن ينسبه إلى نفسه دخل القصر ولم يخرج منه وكل مبادرة منهم يمكن أن تجلب عليهم الوبال لذا قرروا أن لا يبرحوا المكان وأن لا يتدخلوا في الموسيقى وألا يبالغوا في إظهار علامات الفرح أو الترح؛ بعبارة واحدة كان عليهم أن يلتزموا الحياد مهما أمكن. هكذا جلسوا مسمرين كمنحوتات غريبة لا تحرك ساكنا رغم حلكة الليل الذي كانت تقطعه من حين لآخر الأنوار المتراقصة للقناديل الزيتية التي أشعلها الباعة الذين اصطفوا أمام القصر.
كان الليل قد أرخى سدوله عندما وصل الجواسيس ومعهم الأعيان الذين اضطروا إلى مغادرة مراكش بعدما تيقنوا أن سلطانها لم يمت وأنه لا زال ماسكا بأمور السلطة، على ضفاف نهر تانسيفت. كان كل أملهم هو لقاء عبد الله وكسب ثقته تم مساعدته على دخول المدينة حتى يستعيدوا وجاهتهم وأموالهم. وكان الجواسيس يعولون على الأعيان حتى يقدموهم كغنيمة ثمينة للأمير المتطلع إلى حكم المدينة الحمراء ويكفرون بهذا عن ذنبهم. من جهة أخرى كان الجواسيس اليهود يحملون معهم تطمينات شمعون الذي لم يكونوا يعرفون أنه قضى وانتهى أمره. كان المكان خاليا والصمت يخيم على الشعاب وزادها عويل الرياح وزمجرة مياه النهر وحشة وروعة. لم يفهموا ما الذي حدث وأين ذهب الجند ومحلة الأمير. قرروا أن يلجئوا إلى أحد الدور الخالية ليحتموا بها حتى يظهر الخيط الأبيض من الأسود. لم ينبلج الصبح حتى كادت أرواحهم تزهق من الهلع. قبل طلوع الشمس صعد أحدهم فوق سطح المنزل ليستقصي الأخبار. نظر شمالا وغربا، شرقا وجنوبا فلم ير ما يمكن أن يدل على أن هناك محلة ما أو عساكر بهذه المنطقة. تأكد من مكان إقامة المحلة حيث رأى آثارا لبعر الإبل والخيل وبقايا تبن بعد أن عبثت الرياح به. لاح له دخان غرب المكان فأحس بالوجود الآدمي. أسرع بعده نحو الجماعة لإخبارها بما رأى. خيم صمت رهيب وسرى إحساس بعدم الثقة وأصبح كل منهما يشك في الذي بجانبه. كل واحد يفكر في طريقة للخلاص بجلده. حاول أحد اليهود أن يهدأ من روع الجماعة وأن يشرح لهم أن خلاصهم في تضامنهم واتحادهم على كلمة واحدة. - قد يكون عبد الله قد أخذ طريقا آخر للاستيلاء على مراكش وبهذا قد يكون هو الجالس على العرش الآن. يجب أن نهيئ الأجوبة لكل الأسئلة المحتملة. تعرفون عبد الله ودهاءه كما تعرفون بطشه لذا أدعوكم لالتزام الهدوء والتفكير مليا قبل الإقدام على أي عمل يمكنه أن يذهب برؤوسكم ويمتد إلى أهلكم وذويكم بمراكش. أنت أميرنا وقائدنا فأفت بما تراه مناسبا. قالها أحد الأعيان وهو يتصبب عرقا. صاح آخر، لا أقبل أن يؤمر علي يهودي أفضل أن يفصل رأسي عن جسدي على أن أسلم أمري ليهودي. يا صديقي العزيز، نحن في لحظة انتفى فيها اللون والعرق
والدين نحن ندافع عن نفس المصالح، فإذا كنت ترى أنك أهل لهذه المهمة فتوكل على الله، هات ما عندك وإلا اترك اليهودي ينورنا بأفكاره. كان المتكلم رجلا في الخمسين من عمره معروف عنه أنه من التجار الكبار سافر إلى تركيا وبلاد السقالبة البلغار ويجزم آخرون أنه ذهب إلى حدود جزيرة الوقواق ورأى طائر السيمرك بأم عينيه. تابع الرجل ألا تدري أن عمران اليهودي هذا جاء في محلة عبد الله وأنه خدمه لمدة طويلة فمن تظنن غيره بقادر على إخراجنا من هذه الورطة؟ تدخل فرد آخر كان يظهر أن الخوف أخذ منه مأخذا جعله يفقد سلطته على مخارج جسده فصارت تطلق أصواتا وسوائل بدون توقف. يبدو أن هذا الرجل يريد هلاكنا فإذا لم يتعظ نتخلص منه ونترك عمران يفتي علينا في أمرنا. انكمش المعترض على إمارة عمران فيما يبدو أن خوفه على نفسه كان أقوى من الحجج التي قدمها التاجر الحكيم، وهز رأسه موافقا وأردفها بالعبارة المشهورة "أنا مع الجماعة". إنبرى عمران عند ذاك وأخذ مكانه أمام الجماعة فيما تحلقوا هم حوله في نصف دائرة:
إسمعوا، يجب أولا أن نستقصي المكان ونعرف أي طريق أخذ عبد الله لدخول مراكش أو ربما العودة إلى أبي الأعوان أو الذهاب إلى مكان آخر. يجب أن نعرف ما الذي حدث بالضبط. متوجها إلى الذي كان على سطح البيت، أنت تقول أن المنطقة قفر لا ساكنة بها وأنك رأيت دخانا يلوح من بعيد، لا بد وأن هؤلاء الرعاة أو السكان يعلمون شيئا عن محلة السلطان. لنرسل أحد اليهود من بيننا لاستقصاء الأمر فلن يشك في أمره أحد ولن يتوجس منه الناس خيفة. ولماذا لا نقطع النهر ونتفحص آثار الخيل والجمال لمعرفة الوجهة التي أخذتها المحلة؟ قالها أحد الأعيان الذي ظل صامتا منذ خروجه من مراكش. هذا رأي صائب سوف نجرب جميع الطرق وأظن أن أولاها هو معرفة وجهة المحلة. من منكم يتقن السباحة؟ يبدو لي أن النهر عنيف اليوم لم يكن هكذا في اليوم الذي قطعناه متجهين إلى مراكش. أنا قالها يهودي من الناجين من محرقة الأندلس حيث أغرق عدد كبير من اليهود في الوادي الكبير قرب اشبيلية وأغرقت سفنهم المتوجهة إلى المغرب في مضيق جبل طارق. وقبل أن يتمم كلامه نهض واتجه نحو النهر. غاب ما يقارب الساعة كانت كأنها سنة بالنسبة للجماعة المتمترسة داخل البيت المهجور. عاد ولباسه مبتلة وأسنانه تصطك من شدة البرد والخوف باديا على وجهه. لا أدري ما الذي حدث وكأن النهر ابتلع المحلة. كل الآثار تصل إلى النهر تم تنتهي. هناك قليل من أثر الحوافر التي توجهت إلى الشمال أو الشرق. ذكرني هذا بما رأيته في الوادي الكبير. لم يفهم حدة هلعه إلا عمران حيث ينحدر هو الآخر من عائلة أندلسية أغرقت بالكامل رفقة عائلات مسلمة. بما أن هناك آثار خيل وجمال اتجهت نحو الشمال ربما يكون عبد الله قد عاد إلى أبي الأعوان أو فاس. لا، أبدا فعدد آثار الجمال والخيل قليلة و لا تدل آثار حوافرها على أنها خيول ملكية بل مجموعة من اللصوص جاؤوا يجمعون الفتات المتبقي من المحلة بعد مغادرتها. كان اليهودي واسمه يعقوب متيقنا مما يقول وهذا ما أدخل الرعب في نفوس أفراد الجماعة. هذا عمل الجن، كيف يمكن لمحلة بكاملها أن تختفي ولا تترك أي اثر؟ تساءل يعقوب. هل أغرقت كما أغرقنا؟ هل لاحقنا النصارى إلى حدود مراكش؟ هل تكون جيوش
البرتقاليين من حصن إيمازيغن؟ ولكن ليس هناك أي اثر لمعركة تذكر. والله إنه أمر غريب.
أخذ الخوف من يعقوب مأخذه وأصبحت الشجاعة التي أظهرها عندما اقترح نفسه لاجتياز النهر سباحة تتضاءل وتخفت. الحقيقة أن هذا الشاب الشجاع كان له دور محوري في وصول أعداد مهمة من اليهود إلى فاس واستقرارها بفاس الجديد. ورغم المتاعب والأهوال التي لاقت الموريسكيين، اليهود والمسلمين، فإنه كان دائما يتكلف بالمهمات الصعبة ويركب المخاطر ويغامر بحياته من أجل إنقاذ حياة غيره. ولما استقر عدد كبير من الهاربين من بطش النصارى في مملكة فاس وكان من الضروري أن يوطن الباقون في مدن أخرى كسلا والرباط ومراكش قرر أن يشارك في كل العمليات حتى يطمئن على الجميع. ونظرا لتفانيه وشجاعته وإتقانه للغات الإيبيرية كان عبد الله يعول عليه كثيرا في المهمات الصعبة التي كان يتوقع أن يفرضها عليه وضعه كسلطان لمملكة مراكش. فبقدر ما كان عمران داهية سياسيا بقدر ما كان يعقوب شجاعا، مقداما مخلصا ومتفانيا في خدمة الناس. لكن الحالة التي يوجد عليها الآن توحي بأنه أحس بخطر عظيم داهم. لقد أصبح من كثرة الأهوال التي اعترضت طريقه يتوفر على حس الحيوانات التي تشتم أخطار الضواري عن بعد. كان يحس أنه أسر بكثير من الكلام لشمعون وتهور أكثر من اللازم في سهرته وأثناء الشرب خلال الليلة الفريدة التي قضاها بساحة جامع الفناء. أصبح الآن يشك حتى في أولائك الذين يقاسمونه نفس العقيدة وربما نفس العشيرة. ماذا عساه يفعل لو أن عبد الله تبخر واندثر؟ لقد علق كل أمانيه على هذا الأمير، حتى وإن كان طائشا فإنه كان وفيا لمن يخدمه.
أحس عمران بالأسئلة التي تجتاح خلد يعقوب وأدرك انه بصدد فقدان أحد أعمدة الوجود اليهودي بمراكش وربما بالغرب الإسلامي كله. قرر أن يقطع عليه تأملاته الداخلية بالاستمرار في وضع الإستراتيجية التي كلفته بها الجماعة. لقد قلنا أنه وفي الحالة الثانية يجب أن نبعث أحدنا عند الرعاة ليستطلع الأمر. أقترح يحيى نظرا لضعف بنيته ولكنته الأندلسية الواضحة؛ هكذا لن يتخوف منه أحد. لكن لباسي يا عزيزي سوف يفضحني، هل سبق لهؤلاء القوم أن رأوا تاجرا يهوديا متنقلا يلبس ثياب قاض مسلم؟
الحقيقة أن عبد الله عندما أرسل جواسيسه، اليهود منهم والمسلمين، طلب منهم أن يتنكروا في أزياء غير تلك التي يلبسونها عادة حتى يمكنهم الدخول في أوساط مختلفة من الناس. وكان أن وقع الاختيار على يحيى هذا للعب دور قاضي مسلم نظرا لمعرفته بالفقه الإسلامي وعلم الكلام حتى قيل أنه كان يحفظ إحياء علوم الدين للغزالي ودلائل الحائرين لابن ميمون عن ظهر قلب. كان ينتسب فلسفيا إلى ابن رشد ولكنه كان على إطلاع على ما كتبه ابن عربي وابن سبعين وغيرهم من المتصوفة الفلاسفة ذوي الأصول الأندلسية. لم يكن يحيى يؤلف كتبا ولا رسائل لكنه كان يطارح العلماء والفلاسفة وخصوصا الفقهاء فيما يتعلق بمقارنة الديانتين اليهودية والإسلامية، وغالبا ما اعترف له هؤلاء، وخصوصا الفضلاء منهم، بطول الباع. لم يكن عبد الله يجهل خصاله لذا أصر على أن يصطحبه إلى أبي الأعوان لأنه كان ينوي إقامة مناظرات عمومية بين العلماء و سيدي أحمد العروسي بعد القبض عليه لإظهار محدودية علمه وقصور ورعه. لن تذهب هكذا، سوف نبحث لك عن أسمال تتدثر بها وتتجه إلى هؤلاء القوم وتقول أنك تهت عن المحلة وأنك تعمل بإسطبلات السلطان. هذه خدعة جميلة، هكذا تكلم الخائف وكانت أسنانه لا زالت تصطك وهو لم يجفف بعد جسده من السوائل التي فاضت منه رغما عنه.
انشغل الجميع بالبحث عن شيء يشبه اللباس حتى يضعه يحيى على جسده ويذهب في مهمة غير محمودة العواقب. عثر أحدهم على كيس من القنب يشمئز الحمار من وضعه على جلده فبالأحرى أندلسي ذو أصول مدنية. خضع يحيى لحكم الجماعة فأزال عنه لباس القاضي ودخل في الكيس دون تردد. إذا لم يكن من الصعب أن تظهر علامات التعب نظرا لقيامه وسهره ما يقارب الثلاثة متتالية فإن بشرته البيضاء التي تقارب الصفرة كان من غير السهل إخفاؤها. فطن عمران إلى هذا وتبادل النظرات مع التاجر المحنك فقصد كل منهما ناحية في البيت المهجور وسمع صرير سوائل تصب كأنها صنابير دورات المياه. عاد كل منهما ومعه كمية من التراب المبتل وسارا يطليان بها جسد يحيى النحيف حتى أصبح وكأنه خارج لتوه من إسطبل للخنازير. اختلطت رائحة البول بالرائحة التي تراكمت على كيس القنب حتى أصبحت تنفر منه حتى الكلاب.
خرج يحيى وهو يكابد خشونة الكيس وقساوة الأرض إذ لم يسبق له حتى وهو يغادر الأندلس أرضه وأرض أجداده، مكرها، أن اضطر إلى السير حافي القدمين. كانت قدماه تصطدم بالحجارة المنبتة على طول الأرض التي انتشرت أمامه وكأنها البحر المتلاطم. ما لم يكن في حسبان عمران ومخططاته هو أن الرعاة الذين كان يطمع أن يدلوه على طريق أميره عبد الله كانوا قد شاهدوا الوادي وهو يمتلئ ولم يخبروا الأمير بذلك. لماذا صمتوا وتركوا النهر العظيم يحصد الجيوش دفعة واحدة ودون سابق إنذار؟ هل قاموا بهذا تقربا للوليين الصالحين وخصوصا سيدي رحال البودالي الذي كان كثير التردد على هذه المناطق؟ ولكن ورغم نكايتهم في الأمير الذي جاء يلاحق وليهم الصالح المفضل فإن إحساسهم بالذنب كان كبيرا. عندما رأوا المواشي والرجال وبعض الأطفال يحصدهم اليم دفعة واحدة رفعوا أصواتهم دفعة واحدة بالبكاء والعويل والندب. ولما رأوا ما فعلته السفلة بالشريفات المحصنات ومنعهم ارتفاع وادي النهر من العبور إلى الضفة الأخرى لإنقاذهن أيقنوا أن هناك لا محالة قوة قاهرة ستنتقم لهن. وهكذا صاروا كلما رأوا غريبا يطأ أرضهم إلا وظنوا أنه روح أحد الغرقى التي عادت طلبا للقصاص. وهكذا لما رأوا يحيى وهو يعاند الشعاب متوجها إليهم قاموا بكل ما في وسعهم لنقل الناس والدواب إلى الضفة الأخرى واحتموا بالشعاب الوعرة التي لا يصلها إلا من يعرفون المنطقة وتضاريسها. كما كانوا يطمسون كل اثر لهم بعد اجتيازهم للنهر. عندما وصل يحيى إذن بعد ساعات من السير الوعر لم يجد إلا تبنا وبعر أنعام وآثار دواب تصل حد الوادي ثم تندثر. حتى أثر الدخان الذي شوهد من بعيد لم يبق له أثر هناك رماد قديم لا يدل على أن نارا كانت مشتعلة هذا الصباح. أساخ السمع عله يسمع ثغاء خرفان أو خوار ثيران أو نباح كلاب، لكن لا شيء من هذا كله. كانت الريح تجوب الأودية والقفار وعويلها يزداد كلما حاول أن يحبس أنفاسه للاستماع أكثر.
لما عاد يحيى عند الجماعة كانت الشمس قد مالت إلى المغيب. لما تيقنوا أنهم في طريق مسدود: كل الآثار تصل إلى الوادي تم تختفي أحسوا وكأنهم داخل سجن فسيح معرضون لكل المصائب الممكنة. حتى النهر صار غير محمود الجانب. هنا تكلم الرجل الذي لم يقبل بعمران أميرا ولو لوقت وجيز. فليفت أميركم الآن، نحن محاصرون من كل جانب، ما رأي عمران؟
لم يتأثر عمران باستفزاز الرجل، ظل هادئا مستغرقا في تفكيره كمن يعيد ترتيب أفكاره ويراجع أمورا داخل ذاكرته. لقد كان عمران ينحدر من عائلة يهودية معروفة كانت تقطن مدينة أسيخا شمال اشبيلية ولما جرد القشتاليون يهود ومسلمي هذه المدينة من أموالهم وممتلكاتهم اضطر، وهو شاب، إلى الدخول في الدين المسيحي دون أن ينكر دينه الأصلي. هذا ما سمح له بالدراسة في قرطبة وبعدها طليطلة قبل أن ينتقل إلى روما حيث تمكن من دراسة الأدب والفلسفة قبل أن يلتحق بفلورنسا حيث تتلمذ في فقه السياسة على يد أحد دهاة ذلك العصر المدعو مكيافيللي أو أحد تلامذته حسب الروايات. ولما أحس اليهود والمسلمون بقرب الانقضاض عليهم من طرف ملوك أسبانيا شارك في بعثات دبلوماسية سرية إلى فاس والقسطنيطينية وغيرها من المدن الإسلامية التي كانت هي الوحيدة التي سمحت باستقبال النازحين من الأندلس. وخلال زياراته المتكررة إلى فاس تعرف فيها على عبد الله وهو بعد شابا يافعا وتوطدت أواصر الصداقة بينهما. لم يكن قدومه إلى مراكش ضمن محلة عبد الله صدفة بل كان من المتوقع أن يصبح أول صدر أعظم يهودي بدولة بالغرب الإسلامي. كان عبد الله ينوي فتح مراكش والجلوس على عرشها قبل أن ينقلب على والده ويعلن نفسه ملكا للمغرب الأقصى وربما يدفعه تهوره إلى إعلان نفسه خليفة. هل أسر عمران بشيء من هذا للحاخام الأكبر شمعون لا احد كان يعرف ذلك لكن حالات الصمت والاستغراق المفاجئة التي كانت تنتابه جعلت التاجر الحكيم يتوجس خيفة.
يجب أن نبتعد عن هذا المكان المشئوم سوف نخرج ليلا لأن لباسنا سوف يثير الشكوك أو في أقصى الحالات يثير فضول البدو ويظنون أننا نحمل معنا مالا، بهذا نطق عمران وصمت. وأين سوف نذهب؟ نعود لمراكش؟ تريد أن يفتك بنا سلطانها؟ كان الرجل المتحامل على إمارة اليهودي لا يترك أية فرصة لنقده. هذا ما أريد أن أتداول فيه معكم خصوصا وان بيننا تجار يهودا ومسلمين يعرفون المنطقة و وعارها. من المستحيل أن نتوجه شمالا، شيء ما بداخلي يقول لي أن فيه هلاكنا. لن نعود إلى مراكش إلا إذا عرفنا لمن استتبت الأمور هناك، بقي لنا الشرق والغرب، فبما تنصحون؟ في الغرب قبائل بايعت سلطان مراكش أبا القاسم ولن تقبل بأية حال جماعة من الناس خرجوا عن طاعته. وفي الشرق قبائل شريرة تقول خطبة الجمعة مرة بملك فاس وأخرى بملك مراكش ومرات عديدة بأسماء ملوك لم يسمع بها أحد من قبل.
كان هذا المتحدث الأخير الذي لم يسمع له صوت منذ بداية المناظرات والمطارحات. كان هو صاحب فكرة الشعر في مدح الملك الذي كان يظن الجميع أنه عبد الله. كان في الأصل فقيها مقربا من البلاط أيام حكم والد أبي القاسم ملك مراكش لكنه لم يكن موافقا على اعتلائه العرش فسجن وعذب تم بعد أن أطلق سراحه دخل في خدمة أحد التجار. وهكذا فرضت عليه مهنته الجديدة ممارسات لم يكن يتفق عليها بل لم يقبل مبايعة أبي القاسم أصلا بسببها. وهذه الممارسات هي حب النساء والخمر والطرب. فأصبح يعاقر الخمرة كل ليلة، يكتب الشعر الماجن ولا يفارق القيان وآلات اللهو والطرب. وصمته كان في الحقيقة تأملا في مساره ومآله، إذ راجع مسلسل حياته في لحظة قصيرة وقرر داخل سريرته أن يكفر عن جميع ذنوبه التي كان يظن أنها سبب في محنته. الحقيقة أن من يرى هذه الشخصيات مجتمعة يظن أن الأمر يتعلق بالديوان الكامل لحكومة عبد الله. لكن أين هو عبد الله وهذا هو اللغز الذي أطبق على الجماعة وجعلهم كالحيوانات الضارية داخل أقفاص.
إذا صرنا غربا فإنه بإمكاننا على الأقل أن نصل البحر ومنه يمكن أن نصل إلى أي مكان أو نطلب العون ممن كان. أو على الأقل نستشف أخبارا عن الملك الجديد بحاضرة مراكش. أو نسقط في يد القبائل المبايعة لأبي القاسم فنهلك جميعا. أو ربما نصل إلى احد اليهود ويخبأنا حتى يجعل الله لنا من امرن مخرجا. هذا كلام صائب، هل هناك يهود بهذه المناطق؟ هناك يهود شرقا بدمنات لكنهم فلاحون لا يتنقلون إلا لماما ولهم معرفة ضعيفة بالمناطق المجاورة, على العكس من ذلك هناك يهود صناع وتجار يتنقلون على طول وادي تانسيفت وأظن أنه يمكننا أن نستفيد من معلوماتهم إذا استطعنا الحصول عليها. هيئوا أنفسكم إذن سوف نمشي ليلا ودون توقف حتى الصباح. هكذا تكلم عمران بصرامة القائد.
عندما عسعس الليل خرجت الجماعة وسارت داخل ظلام لم تكن تعرف نهايته. نفس الظلام خيم أمام قصر مراكش حيث انقضى جل الليل دون أن يخرج المحتفل المتحمس للسلطان الجديد من دهاليز القصر ولم يستطع احد مبارحة المكان خوفا من أن يتهم على أنه غير رأيه في تقديم الولاء للسلطان الجديد\القديم. لما أشرقت شمس اليوم الثالث على مراكش كانت الساحة المقابلة للقصر السلطاني خالية إلا من نفايات العامة والسفلة وبقايا ما التهمته دون تمييز في الظلام الدامس وجملة المنحوتات الغريبة التي لم تجرؤ على مغادرة المكان. كان هؤلاء الأعيان الجدد والقدامى ينتظرون رئيسهم أو المفترض كذلك. وبالرغم من أنهم لم يغامروا بأخذ الكلمة، أو لم تترك لهم فرصة ذلك، فإنهم كانوا يتهيبون من أن يفهم المخزن الجديد مجرد وقوفهم وراء الخطيب الثرثار اتفاقا تاما مع كلامه. أصابهم الإجهاد لأنهم ظلوا واقفين وأصبحوا يتخوفون من الحديث إلى بعضهم البعض حتى لا يقوّلون ما لا تحمد عقباه.
جمود هؤلاء الأعيان كالصخر لم يوازيه إلا جمود الحركة في المدينة. كان اليوم يوم أحد، وهو يوم تزدهر فيه التجارة والحركة الدائبة للبدو. يدخلون المدينة لبيع منتجاتهم والتسوق والترويح عن النفس على طريقتهم. بدت المدينة وكأنها مقبرة ضخمة لا حركة فيها. جسد سلبت روحه وبقي جثة هامدة. كانت أصوات جحافل العميان تقطع هذا الصمت من حين لآخر. استعادوا طبيعتهم وساروا في سلاسل مرددين لازمتهم "علْ الله" حتى الإغماء. ساحة جامع الفناء خالية من بعض أوراق الأشجار المتناثرة هنا وهناك بفعل ريح فصل الربيع الهادئة. وكان ترى من حين لآخر بعض الخيل أو البغال تمضي مسرعة في اتجاه معين تم تعود وهي تقود شخصا ما وقد وضعت السلاسل في رقبته والأصفاد في رجليه. تكرر هذا المشهد حتى أصبح كل ساكنة المدينة يتوقعون أن تقرع أبواب دورهم ليقتادون إلى القصر أو إلى السجن. وعلى غير عادتهم ظل الوليان مختبئين داخل غيمتهما وكأنهما ينتظران حدثا ما عظيما.
أما الفقيه أبو العباس فبعد خروجه من مراكش توغل في جبال الأطلس الكبير ولم يبقى على مرآى من رحال البودالي وأحمد العروسي اللذان كانا يعرفان مسبقا أن هذا الشخص بالذات لا يجلب إلا الويلات لنفسه ولكل من انضم إلى حزبه.
PAGE
PAGE 8