حكى بعض سكان القرية أنهم، وبينما كانت الشمس تميل إلى المغيب، رأوا عمران يخرج من بيت الشيخ وهو يمتطي حصانا ويحث السير في اتجاه الشمال. وبعد ذلك بقليل خرج عبد الله المتوكي ومن معه على ظهور بغال والتحقوا بقافلة صغيرة كانت توقفت بالقرية ليلا و هي في طريقها من إيمازيغن إلى مراكش. كان لباس التاجر وصحبه يوحي بأنهم فلاحون من أعراب الرحامنة أو السهول الغربية لدكالة. هل كانوا يودون الدخول إلى مراكش متنكرين؟ هل هذا كل ما وفره لهم شيخ القرية؟ كان كل شيء يدل بأنهم يستعدون لدخول مراكش دون أن يعلم بهم أحد. لم يكونوا يعرفون كيف سوف ستتطور أحوالهم لكنهم سئموا من الجري وراء السراب ويبدو أن شيخ القبيلة حكى لهم كل ما شاهدته عيناه من مأساة محلة عبد الله. كان التاجر قد تيقن من سقوط غريمه ابن الساسي أو على الأقل فهما الآن في مرتبة واحدة يجرون وراء السراب. وصلت أخبار من مراكش تفيد بأن الأمن مستتب رغم أن الناس لا زالت تلازم بيوتها وأن ليس هناك صلوات في الجوامع. تعب أئمة المساجد من الاختباء في بيوتهم وهم الذين كانوا ما إن يستولي أحد على العرش إلا وجاء بهم في مقدمة المبايعين. فهم القوة الدعائية الكبرى لأي سلطان بعد حد السيف. يقيمون الصلوات باسم الملك الجديد ويجيبون على استفسارات المؤمنين بعد كل صلاة وكلما سنحت لهم الفرصة يرددون لازمتهم التي لا تبلى "الله ينصر السلطان ويهدن الأوطان". صاروا يتبادلون بينهم الرسائل التي يعبرون فيها عن سخطهم وضجرهم من الوضعية التي يوجدون عليها. وحدث أن سقطت بعض المكتوبات في يد شرطة الملك المجهول فجيئ بصاحبها إلى القصر ولم يلزم معه كثير من الأسئلة ليعترف بشبكة أصدقائه وزملاءه. يعرف العلماء والأئمة والفقهاء سخاء السلاطين لكنهم يعرفون بطشهم أكثر من غيرهم. لذا سارعوا إلى الوشاية بأول من كان له السبق في كتابة الرسائل والبداية بالاحتجاج. لكن بعد تفتيش بسيط وسريع في منازلهم اتضح أنهم لم ينتبهوا إلى بلاغة اللسان الذي أطلقوه دون حدود ونسوا أنهم هم من نحت المثل الشهير "سلامة الإنسان في حفظ اللسان". جمعت الشرطة الفقهاء والعلماء والدعاة والمؤذنين وحفظة القرآن وأضافت إليهم
النخبة المتعلمة التي تهتم بالأمور الدنيوية أكثر من الدينية والتي كانت مجتمعة في أحد الدهاليز لتدارس مآل البلاد والعباد. قيل لهم أن السلطان جمعهم هنا لأمر يهمهم. وعلى عكس الأعيان المساكين الذين ظلوا مسمرين في العراء أياما وليالي فإن المدعوين الجدد وجدوا خياما منصوبة وفراشي مبثوثة وأرائك منصوبة وزرابي مبسوطة وصواني وأباريق مصفوفة تنظرهم. فهموا من كل هذا المشهد أن أمرا مهما ينتظرهم. بل منهم من ظن وتبعه آخرون فيما ذهب إليه أن السلطان ربما يختار من بينهم كل رجالات دولته. وهكذا صاروا يعقدون الأحلاف ويتآمرون على بعضهم البعض ويخططون لما سوف يقومون به من تصفيات جسدية للبعض ونفي للبعض الآخر...تفرقوا إلى ملل ونحل وتمكن العداء من الصديق لصديقه بل ومن الأخ لأخيه. وبينما هم على هذه الحال جاء خدم القصر يحملون الموائد وقد صفت عليها أنواع من المأكولات لم تسقط في بطون أغلبهم قط. انشغلوا بالأكل والتفكير في نظم قصائد في مدح هذا السلطان الذي لم يعرفوه بعد لكن خصاله أنستهم جميع ولاءاتهم القديمة وحرضت البعض على الوشاية برموز العهود البائدة، هكذا سموها انطلاقا من هذا اليوم السعيد في نظرهم. تطور الجدل والنقاش وبالغ البعض في تصور الملك الجديد حتى لكأن البعض صار يظن أنه كانت له به معرفة سابقة. بعد النقاشات المستفيضة بدأت ملامح التحالفات تظهر ببعض الوضوح. وهكذا تجمع أهل العلم والصلاح كما سموا أنفسهم والذين لم تشب صورتهم شائبة في العهود البائدة في حزب، وتجمع الموالون القدامى للعهد القديم في حزب آخر وادعوا أن لهم معرفة بشئون السلطنة على عكس غيرهم وأنهم في حل من بيعتهم الأولى التي فرضت عليهم بحد السيف. من جهة أخرى تجمع المتعلمون الذين لا علاقة لهم بتسيير الأمور الدينية والذين كانوا مجتمعين في قبو تحت الأرض في سرية تامة قبل أن يقبض عليهم، وانظم إليهم رجالات الدين الذين يقاسمونهم نفس الأفكار في حزب آخر يدعو العلماء والخطباء والدعاة وحفظة القرآن إلى الرجوع إلى مساجدهم وكتاتيبهم وزواياهم والاهتمام بالتربية الروحية للناس وترك أمور تسيير الدولة إلى من هم أحق بذلك. اتهم فقهاء السلطة المنصرفة الحزب المناوئ
للعهد البائد بالنزوع إلى السلطة والانتهازية وبرهنوا على أن هاتين الصفتين رذيلتين تخالفان الشرع و أخلاق السلف. واتهم حزب المجددين هو بدوره المشتغلين مع العهد القديم بالركون إلى ما كان ونصب العداء للجديد وعدم النظر إلى المستقبل. واتفق الحزبان معا على محاربة حزب المتعلمين واتهامه بالخروج عن الملة بدعوته إلى وضع أمور المسلمين بين أيدي جماعة لا يشهد لها بباع في أمور أخراها فكيف بأمور دنياها. كانت قوة الداعين إلى فصل أمور الدين عن الدنيا في اعتمادهم على الصناع والتجار وذلك لحاجة هؤلاء الماسة إلى التغيير. أثقلت الضرائب كاهل الجميع لكن هذه الفئة تضررت أكثر من غيرها وكانوا كلما طالبوا بالتغيير واجهتهم السلطة بفقهاء يعتبرون أن كل تغيير بدعة وكل بدعة ضلالة ولا يمكن للخلف أن يأتي بأحسن مما أنجزه السلف. كان الفقهاء يرون في تغيير الأمور تحت ضغط التغيير الاجتماعي والاقتصادي تهميش لسلطاتهم الروحية ولتفسيرهم الخاص القائل بأن صلاح الأمة أو فسادها من صلاح دينها. ما كان يقض مضجع الدنيويين هو اتهام أهل الدين إياهم بالتشبه بالنصارى. وفعلا كان بعض من المتعلمين والتجار قضى وقتا ليس باليسير في أرض المسيحيين الكاثوليك بروما وفلورنسا وصار كلما جادل أو ناقش إلا واستشهد بما رآه من تقنية وحيل ميكانيكية وحربية وتنظيم في الإدارة والتجارة والعمارة هناك. بسبب هذا كله كانوا يتهمون بالخروج عن الملة ولم يكن بمستطاعهم التعبير عن آراءهم قبل سطوع شمس العهد الجديد كما كانوا يقولون. عمد الفريق الأول، والذي اكتسب تجربة مهمة أيام اشتغاله مع أبي القاسم ووالده في تمجيد الملوك، إلى اصطفاء الخطباء وناظمي الشعر وحفاظ النوادر وكتاب الرسائل للانكباب على تحضير الديباجة الأولية لآيات الولاء والطاعة للسلطان الجديد. وأكدوا على أن الأمور سوف تتحسن وتكون على ما يرام فقط لأن طالع الملك الجديد طالع حسن. لقد استفسروا النجوم، حسب زعم أحدهم، وتبين لهم أن صاحب الجلالة جلس على العرش في بداية دورة زمنية ميمونة. وأن من تقلد السلطة في بداية هذه الدورة يبقى هو وسلالته يتوارثون العرش إلى أن تقوم القيامة. بل هناك من ادعى أن الداعية الذي
استطاع أن يجمع شملهم رأى فيما يرى النائم أن دولة الغرب الإسلامي تعود إلى مجدها الغابر وتسترجع الأندلس بل وتفتح بلاد الطغيان فيما وراء جبال الألب إلى حدود لوندريزة. وأكد الجميع أن رؤيا هذا الولي الصالح، هكذا قالوا عنه، لا يمكن أن تخطئ فلقد سبق وأن روى رؤاه للناس وتحققت ولقد علم بقرب هذا الحدث العظيم عندما ظهر في سماء مراكش هذان المشعوذان. وتابع آخر أنه رأى في منامه أن الملك الجديد سوف يصعد إلى السماء و يزرع الرعب في قلبي المدعوين العروسي والبودالي ويقطع دابرهما. وطلب من الملأ أن يفتوه في رؤياه. قاطعه أحدهم محتجا أن ليس هناك من تأويل فالنص واضح لا غبار عليه ولا مكان للمتشابه فيه. تابعت فرق الأحزاب الأخرى كل ما قيل واختلفت آراؤها بل آراء منخرطيها جماعات وفرادى. هناك من لم يكن يقبل بحكم الشيوخ ولكن إيمانه بالأحلام وصلاح الأولياء ظل على حاله لذا بقي مترددا في منزلة بين المنزلتين. وهناك من انهمرت الدموع من عينيه خصوصا عندما كان مريد الداعية يقص رؤيا مولاه مستعملا صوته الرنان كما أنه كان يتوقف المرة تلو الأخرى للاستشهاد بآيات كريمة تسند ما يذهب إليه وخصوصا من سورة يوسف. الحقيقة أن سلطة الصوت الجميل كانت أقوى من براهين العقل. هؤلاء البكاؤون انسحب جلهم من حزب الدنيويين والتحق بحزب الشيوخ المحافظين. لم تنطل هذه الحيل البلاغية على حزب الداعين إلى التناوب وكان جلهم من الشباب. كان وازعهم المثل الشهير "زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون". ولذا كانوا يقولون لزملائهم الشيوخ، "رغم كل هذه البراهين فإن التغيير لا بد وأن يطال الجميع، وعلى كل حال فهم ليسوا مع تغيير الأسلوب وإنما مع تغيير الأشخاص. دوام الحال من المحال"، هكذا تكلم السلف. فلينسحب القدامى إذن. بادر فريق الدنيويين إلى الصعود إلى المنصة وسار يعدد الهزائم التي أصابت جيوش الغرب الإسلامي أمام التحرك المسيحي منذ وقعة العقاب ويبرهن بالدليل الساطع على التراجع على الأرض متتبعا احتلال الجيوش الأجنبية لبلاد المغرب شبرا بعد شبر حتى صارت على مشارف مراكش وفاس. وأوضح أن الأمر يكمن في كون رجال الدين تشبتوا بالتعليم القديم وناهضوا بكل ضراوة الإصلاح
التعليمي وحاربوا بكل شراسة كل اختراع ميكانيكي مدعين أن كل آلة تتحرك لوحدها تعيد النظر في القدرة الإلهية على خلق الأرواح لوحدها. وعاد مرة أخرى لإعطاء المثال بالكنيسة الكاثوليكية بروما والتي دعمت البحث العلمي وترجمت كتب ابن رشد وابن عربي وابن ميمون بل إن الإمبراطور فريدريك الثاني استفتى ابن سبعين في عدد من المسائل الفلسفية، فهل قام الفقهاء والأمراء في أرض الإسلام بشيء من هذا القبيل؟ أجابه أحد مناوئيه: "ولذا طرده كهان كنيسته من الدين المسيحي". لم يعبأ بما سمع واستمر في البرهنة على الدور السلبي لتدخل الدين في أمور الدولة. أكد على أن كل هؤلاء الفلاسفة والعلماء والمتصوفة الذين يٌدرسون في جامعة بلونيا غير بعيد عن فلورنسا محرمون عندنا، وأن كل الكتب التي ألفت في الحيل الميكانيكية والتشريح والطب والهندسة في أرضنا قد ترجمت وتدرس هناك لكنها محرمة عندنا. آن الأوان، حسب المتدخل أن يتخلى الفقهاء عن التدخل في كل كبيرة وصغيرة وأن يهتموا بأمور الوضوء والصيام والحيض والنفاس وما إلى ذلك من العبادات وأن يقوموا بذلك في المساجد لا داخل بلاطات السلاطين و ثكنات الجيش والأسواق والزوايا والكتاتيب القرآنية... كان خطاب مندوب حزب الدنيويين قويا، واضحا وعنيفا. لما انتهى من كلامه انتبه إلى أن عدد المرحبين بما قاله تناقص بالنظر لذلك الذي كان يسانده قبل أن يتكلم. اشتد صراع حاد بين مؤيدي خطابه ومعارضيه داخل حزبه. كان عدد المعارضين يفوق بكثير عدد المساندين. بلغ الاختلاف إلى حد طرح أحد أهل الدين المنضوين تحت لواء الحزب الدنيوي إلى طرح التحدي التالي: إما أن يطرد الخطيب المتهور أو ينسحب المعارضون لخطابه. رد مجموعة من مريديه أنهم إن هو طرد فإنهم سوف يغادرون الحزب معه. فما كان من الجماعة إلا أن وافقت على ذلك فوجد الدنيويون المغالون أنفسهم في عزلة تامة وعددهم لا يفوق رؤوس الأصابع. انزووا في زاوية أحد الخيام الملكية وراحوا يتدارسون أمورهم دون أن يعبأ بهم أحد. أما التصحيحيون، هكذا سموا أنفسهم بالمناسبة، فلقد بادروا إلى توضيح موقفهم وتصحيح خطهم الذي من أجله انخرطوا داخل المجموعة. في الحقيقة كان الخطيب المغضوب
عليه يتكلم انطلاقا من مقترح الديباجة التي كان كلف بتحريرها عندما كانت جماعته في السرية التامة داخل أنفاق مدينة مراكش. كان يحلم ويدون دون أن ينتبه إلى أن كلامه ربما لا يوافق رأي الجماعة التي سوف يعتمد عليها في القراع السياسي والديني. لذا عندما أخذ أحد الفقهاء الكلمة منتدبا من طرف الجماعة وبالإجماع بادر إلى القول: " نحن لا ندعو إلى التخلي عن أعرافنا وتقاليدنا وما خلفه أسلافنا الكرام. إذا كنا ندعو إلى عودة الفقهاء والحفاظ والدعاة...إلى أماكن التربية والعبادة فهذا لا يعني أننا لن نستنير بأفكارهم أو ننكر مجهوداتهم القيمة. نحن نتفق جميعا هنا أن في أعرافنا وتقاليدنا ومعتقداتنا ما يكفي لمعرفة الدنيا والآخرة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نذهب للبحث عن خلاصنا عند أعدائنا. لكن ما يفرق بيننا وبين خصومنا السياسيين هو كونهم لا يقرون بإشراك التجار والصناع في تسيير الأمور الدنيوية. إذا كان أعداؤنا قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه بفضل الحيل الميكانيكية فذلك راجع لما جاء به صناعهم وتجارهم، لذا وجب علينا نحن أيضا أن نستمع لهذه الفئة من مدينتنا فهي زيادة على كونها تمدنا بما نحتاجه من أثاث وأدوات وأسباب للعيش فإنها في هذه الظروف العصيبة تتحمل لوحدها عبء الضرائب والإتاوات". عندما نبهه أحدهم إلى أن في تدخله هذا تطاول على اختصاصات السلطان بادر إلى تصحيح مقترحه قائلا: " ليست هذه إلا أفكارا سوف نطرحها أمام السدة العالية بالله ولها بالطبع وحدها واسع النظر". لم يكن حرس القصر وخدمه وربما السلطان المجهول يسمعون إلا ضجيجا كهدير النحل ينبعث من الخيام ولم يكن أحد يتبين ما يقوله المتنافسون على الخطابة. كان الكل يعرف أن الشرطة قد دست بعض الجواسيس داخل هذا الجمع ولكن لا أحد كان بإمكانه معرفة من هو الجاسوس من غيره، بل إن البوليس لم يكن في حاجة إلى جواسيس حيث أن كل فئة كانت قد دونت ما قالته الأخرى بالتفصيل وكانت تود رفعه للسلطات العليا حتى تعرب عن حسن نيتها و مدى قابليتها للتعاون من أجل المصلحة العليا للبلاد. كان واضحا أن السلطة لن تعبأ بشرذمة التواقين إلى جعل البلاد تصل إلى مصاف دول الروم فقط لأنهم كانوا
معزولين عن سواد الأمة ولم يكن بمستطاعهم الجهر بما أفصحوا عنه اليوم لولا خيمة السلطان التي كانت تكفل لهم حق التعبير عن الرأي بكل حرية. ما كان يهم السلطة هو جس نبض الجمهور حتى ولو كان هذا الأخير غير عابئ بما يجري حوله. قيل له أن هناك ملك ذهب وآخر جاء فراح يرقص في الشوارع خلف جوقة أحدثت بالمناسبة وعلى عجل. لم يكن يعرف ما الذي حدث بالضبط ولم يكن يهمه أن يعرف. كان وكأنه خلق ليستعبد دون أن يسأل. وفي واقع الأمر لم يكن أحد يعرف من هو هذا الجمهور. لم يكن الحديث عن أمور الدولة يدور إلا بين النخب المتعلمة وتلك الماسكة بزمام السيف خصوصا في البوادي والجبال. وكل من استطاع استمالة هذه القوة العسكرية كانت له الغلبة. لذا كنت ترى كل من أحس بغبن أو تولد لديه طموح للسلطة فر إلى خارج المدن ليعود بجيش جرار محاولا فتحها بالقوة والانتقام من سلطانها. وبينما كان الليل يرخي بسطوته على المدينة الصامتة إلا من صراخ المتنافسين السياسيين دبت بين الجموع دعاية مفادها أن السلطان سوف يخرج يوم غد الجمعة للصلاة بمسجد الكتبيين. صارت الجماعات الصغيرة المتفرقة والمنهمكة في النقاشات الطويلة تتوقف من حين لآخر تصغي لأحد أفرادها الذي كان يتحدث بصوت خفيض قبل أن يتبادل أعضاؤها النظرات بعيون جاحظة ليميلوا بعد ذلك رؤوسهم إما ذات الميمنة أو ذات الميسرة ثم تنفرج أساريرهم وكأنهم بلغوا ذروة متعة ما. يبدو أن غياب السلطان أو بالأحرى عدم معرفة هويته كان يخلف لدى الناس إحساسا بالضياع أو خوفا من المجهول. حتى لو أن الملك كان قاسيا فما دام لم يأمر بعد بإنزال ضربة السوط الأولى فإن الهلع يتملك الرعية. عندما يبادر بأول حركة فإن الناس تجد له تفسيرا. لم يكن الأمر على هذا الحال. أصبح الانتظار أكثر عذابا من أي شيء يمكن أن ينزل على الناس. لماذا اختار الصلاة في جامع الكتبيين وليس في غيره؟ من هو الفقيه الذي سيؤم الصلاة؟ كيف سيتوجه إلى الجامع؟ راجلا، على حصان أم في العربة التي أهداها طاغية انكلترا هنري نكاية في صهره ملك أراكونة لقصر مراكش؟ من سيرافقه في الموكب؟انتقل الحديث فجأة من الأمور السياسية العظام إلى الخبر اليومي الذي حتى وإن كان
يرمز إلى شيء فإنه لن يخرج البلاد من الورطة التي كانت تعيش فيها. كان يبدو من الواضح أن هذا الخبر المفاجئ سوف يستغرق من النخبة ليلتها كاملة من النقاشات التأويلات والتأويلات المضادة. هناك من وسوست له نفسه بشيء ما فبعث إلى أهله أن يرسلوا له لباسا محترما وطيبا حتى يتهيأ لكل الاحتمالات. هل كان السلطان قد عقد العزم على الخروج لصلاة الجمعة كما رُوِّج لذلك أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تخمينات. في هذه اللحظة كان الملك السابق أبا القاسم قد قرر وفق نصيحة حاجبه أن يكشف عن هويته وكانت كل القرائن تدل على أنهما يتجهان نحو فكرة طلب العون من أحد ما. كان ابن الساسي قد كشف لملكه عن ما كان يعتقده عن برتغاليي حصن إيمازيغن. لذا قررا البحث عن سبيل آخر، كانا يحاولان، ما استطاعا تجنب السير نحو الغرب الشمالي حتى لا يدخلان السهول المحاذية لنهر تانسيفت ويسقطان في يد الأعراب الذين لن يتورعوا في تسليمهم للبرتغاليين. فضلا إذن أن يسيرا في اتجاه المرتفعات والجبال. كانا ينويان الوصول إلى أكادير كسيمة متخفين ويكتريان أحد القوارب للجوء إلى نول لمطة وطلب العون من بعض الأولياء الصالحين الذين ليس لهم أي طمع في الحكم. كان هذا الولي يبعث برسائل الشفاعة لأبي القاسم عندما كان أميرا ولم يكن هذا الأخير يتوانى في تلبية طلبه. لم يكن مع الملك ولا حاجبه أي مال أو متاع تمكن مبادلته بما يمكنه من إغراء المغامرين الأوروبيين الذين كانوا يعرضون قواربهم لمثل هاته المهمات. ما رأي مولاي أن نلجأ لبعض الزوايا ونطلب الحماية من بعض الأولياء الصالحين؟ أعرف أنهم لا يردون طلب من استجار بهم أو في اقل الأحوال فهم لن يشوا بنا للموالين للسلطان الجديد. هذا رأي صائب ويمكننا أن نستقصي الأخبار حول ما يجري في مراكش العامرة. اذهب إذن واستفسر أحد العامة إن كان هناك من زاوية أو حتى كتاب علنا نلجأ إليه.
كان التعب قد أخذ من أبي القاسم وحاجبه مأخذه. انتفخت قدماهما ودميت كما أن ثيابهما بدأت في الانصرام وأصبحت لا تغطي الكثير من جسديهما. زاد تكالب القمل بالليل والبراغيث بالنهار من متاعب السلطان وصار يقضي وقته في حك جلده بكل ما أوتي من قوة.الحقيقة أن هذه الحشرات لم تستثني جلد ابن الساسي لكنه لم يكن يشكو ذلك خوفا من تثبيط عزيمة أبي القاسم. بدأ الحماس واللامبالاة التي كانت تظهر على الملك في بدايات السفر تخفت وتترك مكانا لهم وغم جعلا الحاجب يقلق كثيرا. كيف يمكن لسلطان أن يستعيد عرشه بهذه الحالة النفسية المنهارة؟ وللتنفيس عن أبي القاسم كان ابن الساسي يعمد إلى سرد حكايات ملوك فقدوا عروشهم ثم استعادوها بالعزيمة القوية والاتكال على العناية الإلهية. هذه هي الكلمة التي أصبحت تستفز سمع الملك. كيف يمكن لهذه العناية أن ترمي به في طريق مظلم لا نهاية له؟ ما الذي فعله ضد هذه العناية حتى يصل إلى ما وصل إليه؟ هكذا أسرع ابن الساسي يبحث في ذاكرته التعبانة عن قصة تشحذ عزيمة سلطانه. "بلغني أيه الملك السعيد أنه كان في بلاد السند، قبل بزوغ فجر الإسلام طبعا، ملك عظيم دانت له الرقاب وسارت بذكره الركاب. وكان لما غزا الأرض طولا وعرضا، شمالا وجنوبا استوى على عرشه ثم طلب كبار دولته فجاءوه خانعين مطيعين وقد مدوا رقابهم أمام سيفه عربونا منهم على الوفاء والاستعداد للموت من أجل تمكين سلطانه ولو تطلب منهم ذلك الذهاب إلى ما وراء الشمس. اصطفوا أمامه جالسين على ركبهم مطأطئين رؤوسهم في صمت رهيب. لما تنحنح الملك، كانت هذه إشارته التي يأذن لهم بها برفع ذقونهم، سمع صرير سيوفهم كالرعد. كان منهم المحاربون الشداد والوزراء الدهاة والسفراء المكرة...مرر الملك يده من خلل الشعيرات القليلة التي كانت تنبت على ذقنه الأمرد مسدها بهدوء ودون أن ينظر لأحد بعينه قال: "لقد تقدمت بي السنون ووهن العظم واشتعل الرأس شيبا ..."، لم يتركه رجالات دولته يكمل حديثه ذلك أن دموعهم انهمرت وصار شهيقهم وزفيرهم يغطي كلامه. رفع يده طالبا منهم الصمت. زم الجميع شفاههم وصاروا يقاومون البكاء بوضع أكفهم على أفواههم. لم يفهم السلطان السبب الذي جعل دولة
بأكملها تبكي فقط لأنه وصف حالة ظاهرة للعيان. اتجه إلى كبير الجيش الذي هو في الأصل حاكم أكبر منطقة من إمبراطورية السلطان. قل لي أنت، ما الذي يبكيك؟ هل هناك شيء غريب فيما قلته؟ لم يجب القائد الكبير بل بالعكس من ذلك ارتفع صوته بالبكاء أكثر من ذي قبل مما شجع الباقين على العويل بل وحتى الصراخ. صمت الإمبراطور صمتا عميقا قيل أنه دام لأيام. بكى رجالات الدولة ما اتفق لهم ولما فرغ الملك من تأمله كان الجميع نياما. بمجرد ما تنحنح السلطان ثانية استفاق الجمع ومدوا آذانهم في اتجاهه. تابع"...لذا قررت أن أقوم بتقسيم الإمبراطورية إلى ثلاثة ممالك وأجعل على رأس كل منهما بنتي الاثنتين المتزوجتين في مملكتي وولدي هذا، وأشار إلى الذي كان على يساره، على أن أقضي عند كل منهم أربعة أشهر في السنة". تحسس ابنه سيفه ونظر بعيون يتطاير منها الشرر إلى القاعة والجالسين فيها. حدث هرج ومرج وصار أزيز الكلام يعلو حتى كاد يعلو على كلام الإمبراطور. لم ينتظر الملك رد رجالات الدولة بل وضع وثيقة التوريث مختومة بخاتمه أمام ابنه واختفى هو في مخدعه ومن تمة إلى سراياه وبدأ في التحضير للسفر لأبعد مملكة من ممالك فلذات كبده. داخل القاعة انقسم رجالات الدولة إلى ثلاثة أحزاب وتبع كل واحد منهم أميره الجديد. دخل كبير العسكر في حزب ابن الإمبراطور سيما وأن هذا الأخير عين على مملكة تضم من بين أخريات منطقته. كان الصراع على أشده بين المتربعين الجدد على العروش على من له الأسبقية في الظفر بما يحتويه القصر الإمبراطوري الرسمي الذي كان يبعد عن مكان الاجتماع بمسيرة شهر؛ فكأن الاجتماع كان بمراكش والقصر يوجد بصحراء برقة. كانت حجة الابن أن القصر وما فيه عائد إليه لكونه الذكر والبكر وولي أمر أخته الأخرى المتزوجة بأحد ملوك خراسان. تطور الكلام إلى حد استلال السيوف لولا تدخل كبير الجيش وتهديده بضم كل العسكر إلى ابن الإمبراطور ونقض كل ما أتت به وثيقة التوريث. هدأت القاعة وانخفض الضغط وتحول الخصام الحماسي إلى مفاوضات هادئة يجريها مندوبو الورثة بعيدا عن تشنج القواد والولاة والجيش. أمر الأمراء الجدد بإحكام الأبواب المؤدية من وإلى القصر ومنع كل
غريب عن المفاوضات من ولوج القاعة. كان الملك قد أنهى استعداده للرحيل ولم يكن معه إلا جواريه ومهرجه الذي لم يكن يفارقه. قبل أن يغادر في قافلته، التي أراد لها أن تكون متواضعة، عاد إلى القاعة ليسلم على ابنه وصهريه. طلب من أحد الحراس أن يفتح الباب لكنه رفض مدعيا أنه يطبق أوامر الملك الجديد. صرخ، هدد تم هدأ وتأمل حالته. رجع أدراجه وبعث لابنه مبعوثا يطلب منه أن يحضر إليه في الحين. جاءه جواب مفاده أن الملك الجديد منهمك في تسيير أمور الدولة وليس له ما يكفي من الوقت للاهتمام بشئون عائلته. طلب أن يحضروا له عربة وجيادا صالحة للسفر فأجابه مسئولو إسطبلات السلطان أن الحصان الوحيد الذي يسمح له به هو العجوز الأبيض الذي كانت ساقه قد كسرت في إحدى الحروب. كان أعرجا وبدون سرج. ركب وهو وأركب وراءه المهرج الذي ألح على أن يرافقه وخرج يمخر عباب الفيافي والقفار. بلغ أمر توزيع المملكة إلى مسامع ابنة الإمبراطور ببلاد خراسان. سألت عن والدها فقيل لها أنه غادر القصر بعد أن تعذر عليه مقابلة الملك الجديد ولم يسمع له أثر من حينها. طلبت من زوجها الملك أن يبعث فرسانا للبحث عن والدها وبجواسيس لمعرفة ما الذي حدث بالضبط. سار الإمبراطور يدفع بحصانه الأعرج نحو المجهول. بعد أيام من السير دونما اتجاه نفذ كل ما كان لديه من المئونة وتراكمت الأوساخ على لباسه وجسمه. صار القمل يتجول على كامل جسده ويمتص ما تبقى له من قوة. عند ما تأمل حالته دخل في هذيان غريب. "كان الجميع يبكي، لماذا كانوا يبكون؟ هل كانوا يعلمون أنني صائر إلى هذه الحال؟..." بقي يطرح على نفسه الأسئلة والمهرج يضحك حتى أصبح يسأل ويجيب ودخل بذلك في الجنون. وضع بضعة أشياء مما تبقى له من حمله وأضاف إليها بعض أوراق الشجر وبعض الحجارة وصار يأمرها كما لو كانت جيشه الجرار الذي قهر به جبابرة العالم. لم يكن لسان المهرج يفتر عن ترديد: " سنعود، سنعود قسما سنعود". لم تبقى لذا الملك قدرة فهم الأشياء كما كان يعرفها في حياته السابقة. حافظ فقط على كل الحركات الملكية التي كانت تجعل كبار دولته ينحنون أمامه دون تفكير وكأن ذلك غريزة طبيعية. كان يكرر هذه الحركات أمام الأشياء
والأعشاب والأحجار...أقتات بجذور النباتات وبالحشرات والزواحف. تغيرت حالته بحيث ذكر من رآه بعد محنته هاته أنه أصبح يشبه جثة تتحرك بشكل آلي. لم يكن يستره ولا خيط على جسده، كان يرفض تيجان الأعشاب التي صنعها له المهرج. بعد أيام بل شهور اهتدى فرسان ملك خراسان إلى مكان الإمبراطور. كان قد لجأ إلى مغارة رتب فيها كل حياته من خدم وحشم وجواري وغلمان. كان يخرج كل يوم في الصباح رفقة المهرج الذي نصبه صدرا أعظم ويحكم في الناس يرسل البعثات إلى ملوك الدنيا ويستقبل الوزراء...لما دخل عليه الفرسان صار يحدثهم وكأنهم جنوده ولم يفرق بينهم وبين لعبه المتناثرة أمامه. عادوا به بسرعة إلى قصر ابنته. كان الجواسيس قد عادوا بأخبار تفيد أن الحروب على أشدها في المملكة السعيدة وأن الأعداء صاروا يتربصون بوحدة البلاد. جهز ملك خراسان جيشا عظيما وصار يطالب بإعادة الملك إلى عرشه وتوحيد الإمبراطورية من جديد. حتى لا أطيل على مولاي انتصرت الجيوش الخراسانية واسترجع العرش ومات كل الأمراء الجدد بمن فيهم إبن الإمبراطور ولما توجهت بنت السلطان إلى خيمة والدها لتبشره بالنبأ العظيم اكتشفت أنه فارق الحياة." لم أفهم مقصدك يا ابن الساسي. أو تريد أن استعيد عرشي لكي أموت؟ أبدا مولاي أطال الله عمرك، كنت أريد أن أروح عنك وأن أقول من حكايتي أن كل شيء ممكن. فهاهو إمبراطور السند قد فقد كل شيء تم استعاده لولا أن المشيئة أرادت غير ذلك. لا تكلمني ثانية عن العناية الإلهية، ابحث لي عن منقذ كبنت الإمبراطور. أظن أنه يجب علينا الاستنجاد بأخي الذي استولى على عرش فاس. لم يكن أبو القاسم يعلم ان أخاه فر في اتجاه الشرق وأن جحافل الأعراب تحاصر فاس من الغرب وقبائل الريف من الشمال ناهيك عن القبائل الأخرى التي ضربت خيامها على مرتفعات إيموزار كندر من ناحية الجنوب وهي تستعد للانقضاض على سهول السايس. ليسمح لي مولاي ولكن فكرة الالتجاء لأبي العباس قد تكون غير موفقة. فلقد أرسل ابنه لمحاربتك وربما يكون عبد الله في أثرنا لذا لزم أن نلجأ إلى شيوخ واد نول فهم وحدهم القادرون على إخراجنا من هذه الورطة. ابحث لنا إذن عن طريقة للوصول إلى هؤلاء الأولياء. يجب ان
نعرف أولا أين نحن من أرض الله الواسعة. هل نحن نسير في اتجاه أكادير كسيمة أم في اتجاه مرسى تَفتْنة. على كل حال فكل القبائل هناك يمكن أن نأتمنها على حياتنا شريطة أن يتوسط لنا أحد الأولياء قل أو علا شأنه. على كل حال يمكننا، إن سارت الأمور كما أرادت... لم يتمم الجملة لأن عبارته "العناية الإلهية" صارت تمثل هوسا حقيقيا للسلطان، تراجع... ...كما أردنا، أن نستقل مركبا من مرسى تَفتْنه إلى أكادير. ما فائدة هذه المعلومات إن لم نجد لها تطبيقا في الواقع.
خرج ابن الساسي وترك الملك لوحده في المغارة التي كانوا استقروا بها قبيل الفجر بعد ليلة قاسية من المشي ومكابدة الصخور والأشواك التي انبثت في طريقهم وكأنها كانت نتيجة تخطيط محكم من طرف شخص ما يعرف أنهما سوف يمران من هناك. بقي الملك لوحده في ظلام المغارة. " عجبت لبكاء الناس في حكاية ملك السند. بكوا بكاء طويلا لكنهم لم يترددوا ولا لحظة واحدة في الانقضاض على العرش لما سنحت أول فرصة. تبا لهم، عندما يبكي الخديم ويتأثر فمعنى هذا أنه يخطط لشيء ما وأن الإحساس بالذنب يفترسه وينخره من الداخل.أحب لو كنت الآن بمراكش متخفيا أنظر إلى خدامي القدامى وهم يهرولون لمبايعة الملك الجديد وكيل الشتائم لي ولسلالتي. لعل الملك الجديد نكل بهم وبذويهم. إن معارضي على استعداد لتقديم اللوائح الدقيقة التي تبين أسماء كل من اشتغل معي. أين هم أولئك الذين كانوا يدعون محبتهم وخدمتهم وتفانيهم بل واستعدادهم للموت من أجل إنقاذ حياتي؟"
بقي الملك في المغارة مستغرقا في تأملاته الفلسفية غير عابئ بمصير ابن الساسي حتى لاحظ أن النور بدأ يخفت ففطن إلى أن النهار سائر للانصرام. فهم أن الحاجب لم يعد. "أين ذهب؟ هل فر وتركني لوحدي؟ وما فائدة أن يفر فمصيره مرتبط بمصيري ولا يمكنه أن يكون إلا حاجبي أو سجينا عند أحد أعدائي. هل قبض عليه؟ معنى ذلك أننا اقتربنا من الحل. إما أن نسجن، وإما أن نقتل وإما أن نسلم للبرتغاليين فيقايضوننا بأحد الثغور عند الحكام الجدد بفاس أومراكش. ولكن ما معنى أنهم لم يأتوا للقبض علي؟ أو أصر ابن الساسي على عدم قول الحقيقة حفاظا على سلامتي؟ تبا له، لن يفيده ذلك شيئا. لن نسترجع العرش بهروبنا إلى الأمام. لقد دقت ساعة الحقيقة ولزم أن نكشف عن وجودنا بهذه المناطق. فإما أنهم يحبون السلطان الشرعي لمراكش فيسارعون لحمايتنا أو أننا لم نكن نحكم بالحق والقسطاس وعند ذاك نكون نستحق الجزاء التي يشرعوه في حقنا."
استغرقت هذه التأملات السلطانية وقتا طويلا. الحقيقة أن أبا القاسم كان عالما عارفا لكن أمور الدولة التي نزلت عليه بكلكلها دون أن يكون له في ذلك رغبة أكيدة جعلته يبتعد عن التأمل ومراجعة الكتب. كان هذا ديدنه حتى وهو أمير على مراكش من طرف والده. كان يقول للجميع أنه على مذهب أبيقور اليوناني يحب الملذات والشهوات ولا يفهم العالم ولا يشرح مبتداه ومنتهاه إلا من خلال الحس. كان يحترم كل المعتقدات لكنه لم يكن له كثير علم بالفقه وعلم الدين رغم أن مكتبته كانت مليئة بكتب من هذا الصنف من المخطوطات؛ وبالرغم كذلك من أن العلماء والفقهاء الذين جالسوه أقروا بمعرفته لفنون علمهم. لكن ما كان يعطي الانطباع بعدم معرفته بالعلوم الدينية كونه كان كثير الهزل والفكاهة وهو يتطارح أمورا كهذه على عكس تداوله في فنون الحكماء اليونان والهنود والفرس وعلماء الصوفية المسلمين. هناك من يؤكد أيضا أنه كانت له معرفة لا يستهان بها بالعلوم اللاتينية الدينية والدنيوية منها، ذلك أنه قضى ردحا من الزمن في بلاد الفرنجة بمدينة باريس على نهر السين وكان يتردد على جامعة أحد علماء الدين ويدعى روبيرتو دي سوربون وهناك نهل من علم تلك البلاد ما استطاع. كان المحيطون به يشرحون استغراقه في التأمل، لساعات بل ولأيام في بعض الحالات، مسا من الجنون أو خصاصا عقليا ما. لم يكن لديه رغبة في الحكم لكن الظروف دفعته إليه دفعا.
أحس أبو القاسم بهمس وخشخشة على الأعشاب تم وشوشة. هذا أنت يا عبد السلام؟ أين تغيبت كل هذا الوقت؟ دخل المغارة شخصان يحملان طبقا وضعاه أرضا وأسرعا يتمسحان بأسمال أبي القاسم وأقدامه. سار هو يردد العبارات المأثورة "حاشا ما عدا الله..." والشخصان يتمتمان "البركة آسيدي...البركة...". بعد ذلك أشعلا قنديل زيت وجثوا على ركبتيهما مطأطئين رأسيهما. أكل الملك ثم شكرهما قبل أن يسحبا الآنية معيدين نفس البروتوكول الأول من تقبيل وتبجيل. سألهما أين هو ابن الساسي لكنهما لم يردا عليه وانصرفا القهقرى ورأسيهما إلى الأرض. لم يفهم السلطان معنى أن يختفي الحاجب ويبعث بغرباء صم بكم أو لا يفهمون العربية. وبينما هو غارق في تساؤلاته جاء ثلاثة أشخاص يحملون أفرشة وأغطية متواضعة لكنها كانت كافية لتدفئة جسد السلطان الذي لازمه البرد منذ أن غادر مراكش. أعاد عليهم نفس السؤال لكنه لم يتلق جوابا. أطفأ القنديل واستسلم للنوم. لم يعد يعبأ بما يخبؤه المستقبل فلقد رأى العجائب وهو في طريق البحث عن عرشه الذي ضاع بسبب تحليق شخصين غريبين في سماء مدينة ملكه. ما يهمه هنا والآن هو النوم العميق تاركا أمر الغد للغد.
أرسلت الشمس نورها على سفوح المرتفعات المواجهة لمغارة أبي القاسم فجاءت خيوط بلورية تكتسح عليه سكينته وتداعب جفونه التي كانت لا زالت مثقلة بنوم عميق. مدد أطرافه متثائبا وهو يظن انه على فراشه الوثير بقصره العامر بمراكش. لقد أحس بعد التعب والسفر الطويل والمرهق أن هذا الفراش المتواضع فاخر جدا. لم يكن لديه وقت للتأمل. نهض مسرعا وصار ينادي حاجبه: "يا عبد السلام، أينك يا عبد السلام؟" لم يفطن إلا وهو خارج المغارة. رأت عيناه النور بهذه الكثافة لأول مرة منذ أن غادر مراكش. كان يرى النور وهو في الظل أو في جنح ظلام المغاوير. وضع كفه على جبهته حتى يحمي عينيه من عنف ضوء الشمس. لما تبين أنه خارج الكهف ورأى جبالا وأشجارا وأحجارا انتبه إلى أن هناك جم غفير من الناس وقد انبطحوا أرضا وهم يهللون بكلام لم يفهمه جيدا، تم انتهى إلى سمعه: "يا ...عبد السلام". ظن في بداية الأمر أنهم يرددون ما قاله وهم يتلعثمون قبل أن يسمع: "يا بركة الولي مولاي عبد السلام". صرخ فيهم:"ارفعوا رؤوسكم، استقيموا حتى أفهم ما تقولون". ردد هذه العبارات بالعربية و الأمازيغية عدة مرات وبتوتر شديد. استقام رجل ذو بنية قوية، ولحية يتخللها الشيب لكنها لا زالت سوداء وتقدم نحو أبي القاسم تم انحنى وجثا على ركبتيه، تم قال: نحن نرجو أن تمسنا بركة مولاي عبد السلام بن مشيش الذي اجتمعتم معه هذه الأيام. لقد وعدنا الولي الصالح الذي ذهبنا لزيارته بدكالة أن الفرج قريب وأن وليا صالحا سيظهر ببلادنا بعد اجتماع الأولياء بجبل علام. لكن أين هو عبد السلام ابن الساسي الذي بعثه يبحث عن زاوية أو كتاب أو شيء من هذا القبيل؟ لقد قال لنا الولي أن هذه المغارة سوف يدخلها اثنان واحد سيختطفه أمير القليعة والذي سوف يبقى هو وليكم فتبركوا به وأطيعوه. لا تتركوه يغادره فإنه إن حدث فلن يصيبكم إلا الويل والثبور. سنتركك الآن فاليوم يوم جمعة وربما تريد أن تصلي وسوف نعود إليك بعد الظهر. وأنتم لا تصلون؟ ليس لديكم إمام ومسجد وفقيه وقاضي؟ لا، نحن لا نصلي، نحن لا نعرف إلا صوم رمضان فهو أسهل لأنه لا يحتاج لكثير من الشرح ولأنه يساعدنا جلنا على اقتصاد مئونته. فلو سمح لنا
بالصوم طوال العام لكنا فعلنا. وعلى كل حال فنحن لا نزيد ولا ننقص في طعامنا خلال رمضان فلا فرق إن نحن تناولناه مرة واحدة أو على دفعات. أما فيما يتعلق بالصلاة فإننا نفوض لولينا الصالح الأمر، فهو يصلي لنا جميعا. لا يوجد بيننا قاضي أو فقيه أو غير ذلك، فنحن رعاة نختبئ وراء الجبال خوفا من النصارى ومن أمير القليعة ولا نقبل الغرباء بيننا. وأين هو ابن الساسي؟ لقد رأينا رجال أمير القليعة يأخذونه معهم إلى رئيسهم. ومن دخل القليعة لن يخرج منها أبدا. فهم أبو القاسم أنه وقع في ورطة وان العرش الذي كان يبحث عنه استحال إلى مغارة وسط جبال الأطلس الوعرة. "اليوم يوم جمعة. لقد مرت ثمانية أيام وسبع ليالي حسوما. ها أنت يا مراكش الآن بعيدة بعد السند". طنت كلمة السند في دماغه وتذكر حكاية الإمبراطور فأحس بشيء كالأمل يخترقه وصعدت أنة من حلقه ما بين الضحك والبكاء. تم تابع: " وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية"، وانفجر بعدها ضاحكا حتى رددت الآفاق ضحكته المدوية.
PAGE \* MERGEFORMAT 10