اكتمل الحلف المثلث بين القبائل العربية والسودانية والأمازيغية. بعث شيخ القبائل العربية موفده إلى المحاربين المساهمين في فتح مراكش كما وعدهم بذلك شيخ هسكورة. كان الموفد داهية من دهاة القبيلة وأحد أكبر مفاوضيها في أمور الحرب والصراع على الماء والكلأ. كان المشروع يقتضي أن يختلق المحاربون العرب مشكلة ما تثبط من عزيمة الآخرين بحيث يتم بعدها التراجع عن التوجه إلى مراكش وحل الحلف نهائيا. لم يكن للشيخ العربي علم بما حدث بين الهسكوري والهنتاتي. كان رؤساء الفرق الحربية العربية المشاركين فيما سمي غزوة مراكش، كما كان يحلو للهنتاتي تسميتها، قد بعثوا بأحد المحاربين لإخبار شيخ الحلف على ما يجري داخل المحلة. لكن تنقل الشيخ لملاقاة العروسي جعله يصل إلى حيث كانت القبيلة بماشيتها في واحات وادي درعة وينتهز فرصة غيابه لأخذ قسط من الراحة. كانت رسالة الشيخ واضحة: "إعملوا كل ما في وسعكم لكي ينفرط الحلف". قبل أن يذهب موفد الشيخ إلى ساحة الحرب عاد إلى واحات وادي درعة ليستبدل جمله بجواد قادر على صعود الجبال. فكان أن التقى الرسول واطلع على تفاصيل الوضعية على الجبهة. -هل بإمكاننا أن نطلق سراح الهنتاتي؟ -نعم بإمكاننا ذلك لأن القبائل تتناوب على حراسته. -لنبدأ أولا بقبائل هنتاتة.
أخذ الموفد ومعه الرسول طريق تيزي-ن-تيشكا نظرا لأن المحلة كانت متواجدة على ضفاف أحد روافد وادي أرضات المسمى بوادي ربعا في الوهاد القريبة من تادارت. كانت تكفيهم بضعة أيام للوصول إلى مؤخرة المحلة التي كانت تتوجه ببطء نحو الجنوب الشرقي لمدينة مراكش. كان الهسكوري يتقدم نحو المرتفعات التي تطل على جبل صاغرو وبذلك يقترب من مجاله الحيوي. لكن ما كان يثقل سير المحلة هو المهلة التي أعطاها الهسكوري لنفسه، دون علم من غيره، لكي يبرز قائد من صلب الهنتاتيين يمكنه التفاوض معه وتقرير مصير الصقر الهنتاتي السجين. كل هذه الأمور الملتبسة استعملها موفد شيخ العرب كأوراق لتفتيت الحلف. ذهب مباشرة للقاء أبناء عم الهنتاتي وأخبرهم أن قائدهم لم يختف بل هو رهن الاعتقال عند الهسكوري. كما أكد لهم نيته في مساعدته على الهرب بأي ثمن. كان يقول هذا وهو يعرف أن كلامه يزرع الرعب في أبناء عمومة الهنتاتي الذين يخافون انتقام هذا الأخير. فر الهنتاتي والتحق بتجمع قبائله وشهد موفد شيخ العرب أمام صقر هنتاتة على أن لا أحد يمكنه إدعاء أنه فك أسره ويسر هربه غير بني عمومته. كانت هذه الشهادة كافية لكي يرتقي بعض الهنتاتيين إلى مستوى قادة على مستوى الفرق الحربية. كما أكد للهنتاتي أن تجمع القبائل العربية سوف ينسحب من حلف الهسكوري إن قرر هذا الأخير محاربته. هكذا انتهى حلم الحلف الذي كان من الممكن أن يفتح طريقا جديدة بين السودان وشواطئ دولة الغرب الإسلامي. ومع نهاية هذا الحلم ارتسم طريق جديد محوره الأساسي أكلميم ويتوجه غربا إلى أكادير والصويرة وجنوبا، مرورا بالصخرة العظيمة، إلى تيندوف تم أطار فشنكيط فتمبكتو فبلاد السودان. أصبح هو الطريق الوحيد السالك والآمن لربط مملكة الغرب الإسلامي بباقي الممالك السودانية.
تقاطر على المنطقة أولياء وأتقياء منهم من جاء يطلب الرحيق الروحي من العروسي ومنهم جاء يدخل في خدمته بصفة نهائية. كما وفد أيضا عدد من الباحثين عن السلطة والجاه منهم من يدعي الشرف ومنهم من يدعي المهدوية ومنهم من يبحث عن أتباع يساعدونه على استعادة مجد ضائع أو عرش مسلوب؛ ومنهم التجار الذين كانوا يستجيرون بالولي من ظالم أو مستبد فيكتب لهم شفاعة تنفعهم عند من سلب حقهم. لم يكن للولي جيش أو عسكر كان يختفي في أعلى صخرته مدة طويلة أو يسافر لا أحد كان يدري أين، لكن عندما يعود يفرد وقتا طويلا للاستماع لرؤساء القبائل الذين يعرضون عليه التحكيم في أمور الدنيا والدين. لم يكن يفتي بشيء كان يستمع فقط وكأن وجوده كان يفرض على المتجادلين أن يتحلوا بأخلاق المناقشة والاستماع ولذلك كانوا يتوصلون لحل مشاكلهم بأنفسهم. كان أمقران هو الوحيد الذي يستطيع أن يتدخل بل وينوب عن العروسي خلال غياباته الطويلة. أصبح أمقران ينتمي للسلالة العروسية وكأنه أخ الولي أو ابنه. وبالفعل سوف تنتقل سلالته إلى نواحي أكلميم ولا زالت تعرف إلى اليوم بالعروسيين رغم أنهم أمازيغ.
مكث إلياس، بعدما تزوج بإليغ، مدة سنة ونصف تم جاء لزيارة العروسي ومعه رسالة من يهود تلك المنطقة يطلبون فيها الحماية من الولي خلال تنقلاتهم. أحال العروسي الرسالة على شيوخ قبائل الحلف مكتفيا بالقول: "ضعوا في اعتباركم أن ابن آدم ظهر على هذه الأرض قبل أن تظهر الديانات والملل والنحل. ضعوا في اعتباركم أن هؤلاء أبناء عمومتكم منهم الأمازيغ ومنهم العرب ومنهم الرومان واليونانيون...وأن ما يفرقكم عنهم ما هو إلا تأويل لآيات الوجود. إسألوا أمقران عن الحياة التي كانت فوق تلك الجزيرة الهادئة قبل أن تعصف بها أهواء بني البشر وغرائزهم الحيوانية". شوهد بعد هذا أمقران وهو يتكلم ويرفع يديه إلى السماء ثم إلى الأرض ثم يشير إلى إلياس ويضع سبابتيه جنبا إلى جنب ويفركهما وكأنه يقول أنه هو و إلياس أخوان.
أصبح بإمكان الناس يهودا، نصارى، مسلمين، ديانات أخرى أو غير ذلك التنقل داخل فضاء الحلف القبلي الذي يباركه العروسي. وكان إلياس يتردد على الولي وكأنه يتردد على والده. كبرت عائلة العروسي وأهلت الساقية الحمراء بالسكان الغرباء. لم يكن أحد يدري من أين تأتي هذه الأقوام وما الذي تريده في جوار هذا الولي. بل رأى بعض الذين دونوا قصص الأولياء أن موفدين عن الملوك والسلاطين كانوا يأتون لملاقاة العروسي حفاة ورؤوسهم حاسرة. كانوا يسقطون بين يديه ويبكون وينتحبون كالأطفال وكأنهم يكفرون عن ذنوب عظيمة. توقف العروسي عن التنقلات والغيابات الطويلة وأصبحت حياته موزعة بين خيماته الثلاث وصعوده إلى أعلى صخرته.
ومع مرور الوقت أصبحت الأخبار تأتي بما لم يرق العروسي. كانت بعض أفخاذ القبائل المتواجدة على طول بحر الظلمات في الجنوب الغربي تلجأ إليه وتشكو له ظلم النصارى الذين كانوا يتوغلون في الصحراء ويختطفون الأطفال والنساء والدواب والمحصولات. لم يكن العروسي قائدا حربيا ولم تكن أمور السياسية تهمه إلا فيما تعلق منها باستقرار الناس وتسهيل أسباب عيشهم. لم يكن يملك إلا كرامات الأولياء وكان يعرف أنها لا تنفع مع نصارى لا يؤمنون بما يؤمن به هو وسائر الناس الذين وضعوا ثقتهم فيه. أحس بالخطر الداهم الذي رآه في الأندلس وفي مملكة مراكش يقترب ويطمح إلى أن يحكم الكماشة على مصدر السلطة الروحية والمالية والتجارية للمغرب. كان الأسبان يعرفون أن سلطة الصحراء الروحية تنتج المقاتلين وكانوا قد جربوا هذا في معركة الزلاقة وحتى معركة العقاب رغم أنهم انتصروا فيها. فبسيطرتهم على مصدر المال والرجال كانوا يعرفون أن العنف الموجه إليهم سوف ينتقل إلى عنف داخلي ببلاد المغرب ولن يحتاجوا بعدها إلى حروب سوف يكتفون بمراقبة ما يحدث من الثغور الساحلية. لم تكن هذه الخطط خافية عن العروسي لكنه لم يكن يستطيع لردها سبيلا.
كانت السنون قد تقدمت به وكانت عائشة من بين زوجاته الثلاث التي تنصت إلى مواجعه وتخبر الأخريات عن حالته الصحية. لم تعد قوته العصبية تتحمل الأخبار المتعلقة بالغزو الإيبيري رغم طمأنة الأحلاف القبلية التي كانت تحارب التوغل المسيحي في ما أصبح يشبه أراضي مقدسة. صحيح أن أرجل جيوش الأجانب كفت عن أن تطأ أراضي الساقية الحمراء منذ اليوم الذي طرد فيه العروسي الجنود الأسبان الذين كانوا يلاحقون أمقران لكن الولي كان يعرف أن هذا سوف يحدث بمجرد وفاته. لم يكن يطمئن لوفاء عدد كبير من شيوخ القبائل لحلف تكنة كما كان يعرف أن عددا من الدعاة ومدعي المهدوية يتحينون فرصة وفاته لزرع البلبلة بين القبائل المتحالفة. لم يوصي لأحد بتسلم سلطاته الروحية. رغم أنه رزق بعدد من البنات والأبناء الأصفياء الأتقياء ورغم أن أمقران كان أقرب إليه من أبنائه فإنه فضل أن لا يوصي لأحد برياسة منطقة الصخرة العظيمة. هل كان على خطأ؟ لم يفعل ذلك كما فعل آخرون على الرغم من أنهم لم يكونوا إلا جماعة محمية تدعي الشرف والزهد والولاية وهم اليوم الذراع الطويلة للسلطان بهذه المناطق. بل ذهبوا إلى حد بيع البلاد والتظاهر بالجهاد وبالدفاع عنها. سوف يبقى هذا اللغز غير مفهوم أو ربما سوف يفكه أحد من سلالة العروسي في المستقبل البعيد.
كان الليل عندما تسلل خيط ضوء رفيع من خلال ثقب في خيمة عائشة. كانت ليلة مقمرة. أسند رأسه إلى ركبة زوجته. أحست السيدة برعشة خفيفة تنتاب جسد زوجها. نادته. لم يجب. أخذت رأسه، وضعته على مخدة. أسرعت إلى خيمة الأمازيغية. خرجتا مسرعتين باتجاه خيمة العربية. كل ما أوصى به؛ أن يسلم هذا الصندوق بمحتوياته لأحد، أنثى أم ذكر، من سلالته. يبدو أن لا أحد سواي طلب هذا الصندوق. هذا كل ما لدي من جدي الذي عاش ذلك الزمان الذي لا زلنا نعاني من ويلاته. اختلط الحابل بالنابل في الصحراء. وتنازعت القبائل بعدما ما كانت موحدة ضد الغزو الأجنبي، بل منها، وهم كثر، من تعامل مع الأسبان ضدا على أهل بلده. تحاملت إحدى القبائل على آل العروسي وكل منتسب للصخرة وذكرى ورائحة العروسي. كان الغرض هو إبادة الذكور من العروسيين. لا أدري لأي سبب. وفي الليل عندما تيقن الرجال أنهم هالكون لا محالة نظرا لاستعمال أعدائهم نوعا من البنادق الأوروبية التي كانت تسمى الوروار والتي كانت تطلق الرصاص بشكل آلي وبدون توقف، فكروا في حيلة يحافظون بها على السلالة. كانت المعركة تدور غير بعيد عن مستنقع. عند الصباح وبينما كان الأعداء يستعدون للقتال لم يجدوا أحدا من العروسيين فظنوا أنهم هلكوا جميعا والحقيقة أنهم غطسوا تحت الماء وبقوا يتنفسون من خلال أعواد قصب.
عرفنا أننا دخلنا زمنا آخر. فبعد ما كانت الساقية الحمراء أرضا مقدسة أصبح أبناء الولي يقتلون ويغتالون وتستباح دماؤهم أمام الجميع دون أن يحرك أحدهم ساكنا. لقد جاء العروسي إلى الساقية الحمراء وأعطى للخلاء معنى. انتصبت الصخرة وأصبح الطريق لا يسلك للسودان إلا إذا توقفت القوافل عند الولي. تراجع الأسبان ورحلت الزواحف والكواسر والمفترسة وعمت الطمأنينة. اليوم، عرفنا أن زمن الولاية ولى وأننا دخلنا زمن انحسار الصحراء وانفتاحها على المجهول. لن تجد بعد اليوم الزهاد والنساك والأولياء يمخرون عباب الرمال بحثا عن مكان للاستقرار والتفرغ للتربية والتأمل. أسلمت الصحراء للصوص والجواسيس وقطاع الطرق. انتقلنا من زمن صحراء الرمال المترامية الأطراف التي تلهم الشاعر والموسيقى والمتصوف والعابد والزاهد إلى صحراء داخلية لا تبقي و لا تدر. انتقلنا من زمن الترحال إلى زمن التيه. سوف تتيه الإنسانية في تاريخها وتندثر العلامات الفارقة التي يستدل بها الناس. دخلنا زمن الضياع.
******************************
نزل الليل دامسا على وهاد سيدي بوعثمان وتوقفت المدافع والبنادق. كان الفرنسيون يعطون كل مرة مهلة للمحاربين الصحراويين لكي يستسلموا. كان يهمهم استسلامهم لما فيه من دروس للآخرين الذين قد تسول لهم أنفسهم قتال الأسياد الجدد للعالم. ترك إبراهيم ابنه عليا مع الدابة والمتاع القليل الذي حافظوا عليه منذ أن غادروا الأرض المقدسة. لم يكن المتاع إلا حافظة كبيرة من الجلد بها بعض الثياب وزربية والصندوق الخشبي الذي تركه العروسي للأجيال. ذهب إبراهيم عند بعض السكان في الجهة الغربية للجبل لاستجلاب بعض الطعام. لم يبقى له من كل عائلته إلا ابنه علي. كان متوجها به إلى فاس حتى يتعلم بجامعة القرويين على يد العلماء المشاهير. لما وصل مراكش علم أنه كان بها سلطان يتشبث بالتقاليد ولا يقبل بدخول الإفرنج وعلى العكس تماما كان ملك فاس وهو أخوه من أبيه يقبل على كل ما هو إفرنجي ولا يجد غضاضة في دخول الفرنسيين بل يعتبره قدرا لا راد له. ومن غريب الأمور أن ذلك الذي كان يدعي العداء للفرنسيين هو الذي سلمهم البلاد بعقد موثق. وجد الحالة كما تركها العروسي قبل خمسة قرون أو ينيف. الفرق الوحيد هو أنه عندما حلق العروسي وصديقه في سماء مراكش كان ملكها هو المتهم بإرادة الانفتاح على الفرنجة ومخترعاتهم.
وفعلا كان إبراهيم قد غادر هو وزوجته أم علي وباقي أفراد القبيلة عندما وصلتهم أخبار تفيد أن القبيلة التي ظنت أنها أبادت محاربي العروسيين تتوجه إليهم لإبادة ما تبقى من السلالة. قرروا أن يتفرقوا إلى ثلاثة فرق تأخذ كل منها طريقا على أن يلتقوا كلهم بمدينة آنفا (الدار البيضاء) التي كان أحد أفراد قبيلتهم قد مر بها في نهايات القرن التاسع عشر وقال فيها بيته الشهير: نَخْتيْرْ شُوفَةْ ريضا وُجْمال َتْتسَدّر فيها عن يوم في الدار البيضا وكْنُوسْ فيها يَخْليها. كان هذا الكاف (البيت الشعري) متداولا بكثرة ورغم ذلك فضلوا الاتجاه إلى حيث هذه الأجناس المتعددة عوض الاحتماء ببني جلدتهم.أخذت الفرقة الأولى إذن طريق الشمال الشرقي بحيث قررت أن تصل إلى محاميد الغزلان ثم تمر من تيزي-ن-تيشكا، والثانية تلتحق بمراكش عن طريق تيزي-ن-تيست أما الثالثة فقد تقرر أن تأخذ الطريق الساحلية الغربية لتلتحق بسهول عبدة ودكالة. لم تكن هذه الاختيارات اعتباطية، فلقد توجهت كل فرقة حيث يوجد أولياء للعروسيين بإمكانهم مساعدتهم على تسلق جبال الأطلس والهروب بعيدا من التقتيل والتنكيل. ولكن الأمور لا تمر دائما كما خطط لها. فكل فرقة لاقتها من الأهوال ما لم يكن في الحسبان. كان الزمن زمن شرور. كان القتال على أشده بين القبائل وتحويل الولاءات من السلطان إلى الأسياد الجدد للبلاد يفاجئ حتى أقرب الناس إلى زعماء القبائل. لم تكن الناس تعرف من هو المجاهد الحقيقي. كانوا يتحمسون لشيخ زاوية أو زعيم قبيلة ويبعثون فلذات كبدهم للقتال معه وبعد فترة زمنية وجيزة يكتشفون أنه فعل ذلك ليزن في ميزان القوى حتى يكون له دور على رقعة الوضع الجديد. والغريب أن الناس كانوا يفهمون دائما متأخرين. ما حدث للمجموعة التي أخذت طريق الشمال الشرقي أنها وجدت نفسها، مع عدد آخر من الصحراويين، بين كماشتي حرب طاحنة بين قبائل هسكورة. منهم من كان يقول أن سببها تنازع مساحات الرعي ومنهم من كان يقول أن الأمر يتعلق بولاءات لباشا مراكش الكلاوي الذي كان يخطط للسيطرة على الجنوب بمساعدة الفرنسيين الذين كانوا يسابقون الأسبان في الهيمنة على الصحراء. اضطرت الجماعة إلى تغيير
طريقها والسير في شعاب وادي أسيف لتصل إلى ممر تيزي-ن-فذرات وتنزل إلى وهاد وادي تاساوت.
كانوا يسيرون بماشيتهم التي لم يبقى منها الشيء الكثير. كانوا كلما وصلوا إلى مرعى إلا وسارع أهل البلد بطردهم كما لم يكونوا يتوانون في التهديد باستعمال السلاح. كان الفصل صيفا عندما نزلوا شعاب وادي تاساوت الخضراء. لم يكن لهم سابق معرفة بالجبال والوديان ولا حتى بخضرة الكلأ و الأشجار. نصبوا خيامهم بجانب الوادي وقرروا أخذ قسط من الراحة بعد هذا السفر الطويل. انمحت العداوة المتأصلة بين القبائل خلال هذا السفر الطويل والصراع من أجل البقاء. عندما غادروا الصحراء وواجهوا الآخر اكتشفوا أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم. لذا تجمعوا في مخيم واحد حتى إذا اضطروا للدفاع عن أنفسهم تكون لهم الغلبة بالكثرة. في حلكة الليل سمعوا هديرا كأنه الرعد. استفاقوا مذعورين لكن بعد فوات الأوان. كان علو الماء يتجاوز المترين أو أكثر. ساقهم اليم بحيث وجدت جثثهم متناثرة على سطح مياه بحيرة أيت أعدل. لم يَنْجُ من المخيم إلا طفلة في العاشرة من عمرها. عثر عليها بعض سكان قرية سيدي رحال البودالي وجاءوا بها إلى ضريح الولي الصالح لعل أحدا يمكنه أن يهتم بشأنها. وفعلا كان؛ توقفت قافلة أحد التجار وهي في طريقها من مراكش إلى دمنات فسأل أحد التجار عن من تكون هذه المسكينة فقيل له إنها تقول أن اسمها الغالية وأنها عروسية النسب وأن عائلتها غرقت في بحر جاءهم من الجبال العالية. سألها التاجر عن قصتها وأمعن في السؤال عن بعض التفاصيل حتى أزعج الطفلة وأزعج بعض الحاضرين. لما انتهت من رواية الحكاية انحنى التاجر على قدميها وصار يقبلهما ويبكي. تم حكى لهم ما وقع للعروسي و البودالي نقلا عن حكواتي مراكش.
أما الفرقة التي أخذت الطريق الساحلية فإنها لم تجد أية صعوبة في الالتحاق بمناطق حاحا وأن تنزل رويدا، رويدا نحو قبائل الشياظمة. عندما كانوا على مشارف أكادير نصحهم السكان أن يبتعدوا قليلا عن البحر وان يأخذوا الطرق الجبلية رغم وعورتها. كانت تلك القبائل قد أصبحت تهاب البحر وتعرف أنه لا يأتي إلا بالويلات. كانوا يعرفون أنهم كلما كانوا في الأعلى كلما كانت لهم إمكانية التقدير واختيار إما أن يواجهوا العدو أو يفروا أكثر نحو الأعالي. لكن العدو كان يتوفر على بنادق عظيمة يحملها على سفن ضخمة يتعالى منها بخار. كانت تلك البنادق تصيبهم حيث هم لأنها كانت ترسل كرات نارية ضخمة يسمونها البنب لا تنفجر إلا عندما تسقط فتخترق الناس والزرع والبهيمة وتترك حفرا عميقة في الأرض. صارت المجموعة إلى أن توقفت عند قبيلة جبلية تكرم الضيف وتحمي الغريب. لم يكونوا يتكلمون إلا الأمازيغية. كان العروسيون يتقنون هذه اللغة نظرا لأن إحدى أمهاتهم كانت أمازيغية. لم تكن هذه القبيلة على دراية كبيرة بالإسلام ولم تكن بحاجة إلى معرفته أكثر. كانت تعرف منه ما ينفعها في دنياها أولا ولم تكن تكترث كثيرا بأخراها، بل لم تكن تعرف ما هي الآخرة. كان الماضي يؤرقها أكثر من المستقبل. كانت لهم عادة غريبة: كانوا يتوقفون عن العمل يوم الثلاثاء ويخصصون ذلك اليوم للبكاء. شرحوا للعروسيين أن سبب بكاءهم يعود، حسب رواية أجدادهم، إلى موت أحد الصالحين ألذي كان يعتكف طول النهار في مغارة ويقول أنه ينتظر كتبا سوف تأتيه لم يكن أحد يدري من أين. وذات يوم دخلوا عليه كالعادة ليمدوه بطعامه اليومي فوجدوه يبكي وينتحب ويقول بالأمازيغية " كتبي راحت، كتبي سرقت، كتبي أحرقت...". بقي على هذه الحال مدة أربعين يوما تم فارق الحياة. كان اليوم يوم ثلاثاء فتم دفنه وبكى الناس طيلة اليوم. بعدها قرروا البكاء مرة في الأسبوع وفي اليوم الذي توفي فيه الولي الصالح. تعجب العروسيون من الولاء الخالص لهؤلاء الناس وتذكروا الغدر والخديعة التي اكتشفوها عند بعض القبائل الصحراوية.
كانت هذه آخر منطقة يلتقي فيها العروسيون أناسا طيبين، ذلك أنه ما إن وطأت أقدامهم السهول أو كادت حتى بدأت المصاعب. فزيادة على مطاردتهم من طرف الرعاة بسبب النزاعات عن الكلأ كانت بناتهم مهددات باستمرار بالاختطاف من طرف زبانية شيوخ القبائل الذين كانوا يحملون لقبا مخزنيا شائعا هو القايد. كانوا يتجنبون دخول المدن والقرى والأسواق الأسبوعية. حاولوا التخفي قدر المستطاع وذلك باستبدال لباس النساء الأسود ولباس الرجال الأزرق بلباس أهل البلد لكن دون جدوى. وضعوا السخام على وجوه البنات وأركبوهن على حمير ووجوههن عكس الاتجاه الذي تسير عليه الدواب حتى يقال أنهن هبلاوات أو مريضات عقليا. كل هذه الحيل لم تنفع مع جواسيس القايد المتجبر بناحية آسفي. وصلته أخبار تقول أن صحراويين دخلوا مناطق عبدة وبينهم فتيات لم يسبق أن رأى الناس جمالا مثل جمالهن. توقدت غرائز وشهوات القايد وصاح في زبانيته أن يأتوه بهن وبعائلاتهن مهما كلف الثمن. عمد حراسه إلى حشد الصحراويين الهاربين من غزوات الأوروبيين ومن الحروب الأهلية والذين كانوا يتواجدون على مساحة قطرها مسير يوم كامل من مقر القايد. كان المنظر رهيبا. الناس والدواب والكلاب وأصناف من المخلوقات، لم يكن لهؤلاء الصحراويين معرفة سابقة بها، محشورة في مكان واحد. جردت النساء والفتيات من لباسهن وألقي بهن في بركة ماء. كل هذا أمام القايد وزبانيته وصرخات الناس تتعالى من الألم وضحكات المجرمين تعلو عليها من الغبطة والمرح. جيئ بعجائز متخصصات في معرفة الأبكار وأدخلن إلى البركة وصرن يفحصن الفتيات كما تفحص البهائم. وفي لحظة ما اقتربت رئيسة العجائز من القائد وهمست في أذنه بشيء ما. نادى أحد حراسه وكلمه بدوره. صاح الحارس بلهجة عربية فَضَّة " أخرجوا الرجال واطردوهم لمخيماتهم واتركوا النساء، كل النساء ومعهن الأطفال". عند المساء رجعت العجائز من الصحراويات واحتفظ القايد بباقي النساء في حريمه. بقي الرجال يبكون أياما وليالي إلى أن صعد شيء ابيض على بؤبؤ العين وانعدم البصر فقادتهم العجائز وانتشروا في السهول الغربية يطلبون الصدقات في انتظار الممات.
ما فات القايد أنه عندما جمعت زبانيته كل الصحراويين نساء ورجالا وأطفالا عمد أحد العروسيين إلى تسليم ابنه إلى أحد سكان القرية التي كان استقر بها وطلب منه أن يهتم به ويحسن تربيته وأن يعلمه من هو وكيف أتت به الأقدار إلى كنفه. كان هذا الرجل الصالح المنحدر من منطقة الشياظمة يحترم الأشراف دون الاعتقاد في كرامات معينة. كان يعتبر أنهم يحملون وزرا يتجاوز قدراتهم في بعض الأحيان ويسجنهم داخل قيم قد لا يؤمنون بها. كان يزاول الفلاحة في فصلي الخريف والشتاء ويتعاطى التجارة في فصلي الربيع والصيف. قرر في قرارة نفسه وهو يتسلم الشريف الصغير أن يجعله يحافظ على السلالة ويعيد ربط العلاقة بالأسر العروسية التي أخذت طريق الجنوب صوب نواذيبو، أو شنكيط أو بلاد الفولاني أو بامبارا أو حيث الطوارق وقبائل السودان التي تنحدر منها السيدة عائشة الزوجة الأولى لجدهم الأعلى. هذا هو العروسي الوحيد من فرقة الغرب الذي نجا من العبودية أو الموت.
أما الفرقة الثالثة التي أخذت طريق الوسط فقد توجهت أولا جهة طاطا فإيغرم لتصل بعد ذلك إلى قرية تالوين وبدأت تتهيأ للتوجه نحو أعالي تيزي-ن-تيست. لم يكن معهم أحد من الصحراويين على عكس الفرقتين الأولتين. لم يستطع العروسيون التوجه وحدهم إلى مراكش في هذا الطريق الوعر والمحفوف بالمخاطر. أخبرهم أهل تالوين أن هناك بضعة مغاربة يهود يغادرون القرية نهائيا وسوف يركبون سفينة في اتجاه ما وراء البحر وأنه بإمكانهم السفر معهم إلى حدود مراكش. توجه إبراهيم إلى حيث يقيم أحد اليهود المسافرين وطلب منه إن كان بإمكانه ومجموعة العروسيين أن يرافقوهم. لم يكن الصحراويون مسلحين وحتى أن جل قطيعهم هلك على الطريق الوعر الذي أخذوه. أخبره اليهودي أن مجموعة أخرى من طائفتهم قادمة من إليغ سوف تتوقف بأولوز ومن هناك سوف يتجه الجميع إلى مراكش تحت حراسة مسلحين لا يدري من أجرهم لهذا الغرض. أحس إبراهيم بالاطمئنان عند ذكر إليغ وتذكر ما قرأه في مخطوطات جده الأعلى عن إلياس وعن مدى تعلقه بالولي الصالح. لم يكن يعرف لماذا يرتحل كل هؤلاء اليهود في هذه الظروف الصعبة إلى ما وراء البحر.
أشار اليهودي على إبراهيم أن يتخلص من القطيع بأن يبيعه للذين يرتبطون بالأرض وأن يدفع عشيرته إلى التفكير في طريقة أخرى للعيش. لم يكن إبراهيم يعرف ممارسة حرفة أخرى غير تلك التي ربي عليها؛ أن يبقى النهار كله بجانب الصخرة العظيمة يحوم حولها على إيقاع دوران الشمس وأن ينتظر عودة القطيع عند نهاية كل فصل ليعرف ما الذي يمكنه أن يبيعه منه وما الذي يتصدق به. لم يمارس تجارة ولا تدريسا ولا فلاحة...لم تكن ممارسة الأعمال اليدوية من شيم النبلاء. النبيل يتعلم فنون الفروسية وفن الكلام ومغازلة النساء وغير هذا فإنه من اختصاص العبيد والحراطين. أحس إبراهيم عند سماع نصيحة اليهودي أن العالم ينهار من حواليه. كيف يعقل أن لا يشرب حليب معزاة كل صباح وأن لا يبتهج بصياح الجديان وهي راجعة من المراعي؟ كيف سيتدبر أمره وأمر عيش أولاده وزوجته أم علي؟ هب أنه باع كل القطيع وطلب من الجماعة فعل ذلك هل ستكفي الدراهم للسفر؟ هل سيتبقى منه شيء عند الوصول إلى الدار البيضاء لشراء قطيع آخر؟ كانت حجج اليهودي مقنعة. لن يتمكن العروسيون من متابعة إيقاع القافلة إن هم تمسكوا بما حملوه معهم من دواب وأثاث. تخلصوا من ممتلكاتهم وكأنهم يتخلصون من بعض من أعضاء أجسادهم. كانوا يتألمون كلما رأوا أحد سكان تالوين يأخذ جديا أو زربية أو غير ذلك ويذهب لحال سبيله دون أن يلتفت. ورغم إلحاح اليهودي فإنهم أصروا على ألاَّ يسامحوا في لباسهم الأسود والأزرق. كانوا يظنون أن عوراتهم سوف تظهر للملأ إن هم غيروا ملابسهم.
في صباح اليوم التالي كانوا يتجهون غربا نحو آولواز. كانت النسوة تحس بأن لهن شكلا غريبا وهن يمتطين حميرا حقيرة عوض الجمال النبيلة. أيقن الجميع أن زمنا آخر حل وأن ما ينتظرهم ربما يكون أكثر هولا من الذي مضى. عند منتصف النهار وصلوا إلى حيث كانت خيام يهود إليغ. ترجل اليهودي وصار نحو خيمة كانت تبدو أحسن حالا من الأخريات وغاب بعض الوقت قبل أن يعود ويطلب من إبراهيم أن يصحبه عند الحاخام. وقف موسى، هكذا كان اسمه، عندما رأى إبراهيم وعانقه، وبدا متأثرا لم يدري أحد لماذا. تحادثا رأسا لرأس مدة من الزمن. في اليوم الموالي وبينما كانت القافلة تستعد للرحيل طلب الحاخام العروسي إبراهيم وأشار إلى بغلة مجهزة طلب منه أن يمتطيها وقال له أنه سوف يكونان معا على رأس القافلة. كان إبراهيم يتأمل الطريق ويقول في قرارة نفسه: " ربما يكون الطريق الذي أخذه جده العروسي وهو طائر إلى الجنوب وهو الطريق الذي أخذه المرابطون وهم يذهبون للجهاد في شمال المغرب والأندلس. كان المرابطون يأخذون هذا الطريق وهم متأهبون لا يخافون المستقبل وها نحن اليوم نأخذ نفس الطريق ولا نعلم ما يخبؤه لنا الآتي."
خرجت القافلة من آولوز بعيد صلاة الفجر. رافقتها الكلاب بنباحها كما ركض الأطفال خلفها وهم يلوحون لأبناء وبنات العروسيين واليهود الذين هم من سنهم بأيديهم إلى أن أحس الجميع غريزيا أن المجال الحيوي آخذ في التقلص فتراجعوا وبقوا يرقبون القافلة من بعيد حتى اختفت عن الأنظار. كانت القافلة مؤطرة بعدد من المحاربين المسلحين ببنادق الوروار يساعدهم في ذلك شباب يهودي يبدو في غاية الحماس. في مقدمة القافلة كان الحاخام موسى لا يفتر يميل جهة إبراهيم تم يستوي على سرج البغلة تم يفعل إبراهيم نفس الشيء. لا أحد كان يدري فيما يتحدثان. كان الطريق وعرا والحرارة خلال النهار لا تطاق. ليس هذا هو الذي كان يخيف العروسي إنه الصمت المطبق وخلو المكان من الساكنة. كان يرى نفس الخوف في عيني موسى. كانا يتبادلان النظرات تم يحولان بصرهما بطريقة متزامنة نحو الأفق جهة الشمال حيث مراكش. لم تتوقف القافلة وصلى الجميع على ظهر الدواب. آما الراجلة فإنه طلب منها قبل الرحيل تقديم صلوات الظهر والعصر. أرضعت النساء أطفالهن على ظهور مطاياهن واقتات كل واحد بما كان في مزودته من تمر أو خبز أو غيره. ليس للقافلة وقت للوقوف. عند ما شارفت الشمس على الغروب ظهرت قرية تافنغولت. قرية وديعة أناسها طيبون تحيط بهم غابات الهركان. من الهركان يقتاتون حيث يستخرجون منه زيتا يبيعونها في الأسواق القريبة ويطعمون منها ماشيتهم. استقبلوا القافلة دون أن يسألوا عن من فيها.
عندما أخذت القافلة في النزول نحو تنمل ومسجده العظيم بدأت الأخبار السيئة تتقاطر على موسى وإبراهيم. كان الكلاوي في حرب على عدة جبهات. لم تكن حربه ضد تحالف هسكورة فقط بل تحالف مع المتوكي غربا والعيادي شمالا لمحاصرة الكوندافي أحد قواد الحرب الذي كان هو الآخر يبحث له عن مكان على رقعة الترتيبات الجديدة التي فرضتها فرنسا. كان الكوندافي قد انهزم تقريبا وتشرذمت فلول عساكره وفر معظمهم نحو الجبال فأصبحوا قطاع طرق. لم يكن باستطاعة فلول المحاربين أن تهاجم القرى والمداشر فاستقرت بأعالي الجبال ترقب الطريق المؤدية من تنمل إلى إيجوكاك فآسني فتحناوت. أصبحت الطريق خالية من المسافرين كما أصبح من الصعب على القافلة أن تعود لتتسلق مرتفعات تيزي-ن-تيست. كان إبراهيم العروسي يتأمل موسى ويحس أنه غير خائف. كان الحاخام يتمتم بكلمات وكأنه يصلي. كانت الريح الصاعدة من الوهاد الفاصلة بين جبلي توبقال وإيكديفت باردة رغم حرارة الصيف وزفيرها يملأ مسامع ومسام إبراهيم العروسي لحد أنه فقد العلاقة الحسية مع من حوله. كان كأنه دخل في حالة جذب أخذه من الأرض إلى عوالم لا قبل له بها. وبينما هو غائب عن الدنيا تماما سمع صوت موسى وهو يناديه باسمه: -سوف نتوقف الليلة هنا بقرية تِنْمَلْ وبعدها مدبرها حكيم. لأول مرة أحس إبراهيم أن موسى خائف لكن قدرته على إخفاء ذلك كانت خارقة. توقفت القافلة للمبيت.
عندما أدى كل واحد واجبه الديني حسب طقوسه وعاداته وأكل الجميع من نفس الطعام نادى موسى إبراهيم واختلى به في خيمته. -هل تعرف أن اليهود في مأمن مما يحدث هنا؟ أقترح عليك أن نَحْلِقَ لابنك علي على الطريقة اليهودية وأن نلبسك ونلبسه لباسا يهوديا حتى يمكنكما النجاة إذا ما تعرضت القافلة لمكروه. -لم أفهم قصدك -هب أن قافلتنا هوجمت من طرف قطاع الطرق سوف يقومون بسبي وقتل كل من ليس يهوديا. أتدري لماذا؟ خذ. ناوله كتابا مطبوعا بطريقة لم يشاهدها إبراهيم قبل ذلك اليوم. كان الكتاب مفتوحا عند الصفحة الثانية عشرة بعد المائة. وكان موسى قد سطر على الجملة: "وفي هذه السنة ورد يهودي من اللوندرة على السلطان بمراكش يطلب منه الحرية ليهود المغرب وذلك لأنه لما كانت وقعة تطاوين ودهم الناس ما دهمهم من أمر الحمايات وأكثر من تعلق بها اليهود لم يقتصروا على ذلك وراموا الحرية تشبها بيهود مصر ونحوها فكتبوا إلى يهودي من كبار تجارهم باللوندرة أسمه روشابيل وكان هذا اليهودي قارون زمانه وكانت له وجاهة كبيرة في دولة النجليز لأنها كانت تحتاج إليها فيسلفها الأموال الطائلة وله في ذلك أخبار مشهورة فكتب يهود المغرب إليه أو بعضهم يشتكون إليه ما هم فيه من الذلة والصغار ويطلبون منه الوساطة لهم عند السلطان رحمه الله في الإنعام عليهم بالحرية فعين هذا اليهودي صهرا له للوفادة على السلطان (...) في هذا الغرض وفي غيره واصحبه هدايا نفيسة وسأل من دولة النجليز أن يشفعوا له عند السلطان ويكتبوا له في قضاء غرضه ففعلوا، وقدم على السلطان بمراكش وقدم هداياه وسأل تنفيذ مطلبه فتجافى السلطان عن رده مخفقا وأعطاه ظهيرا فتمسك به اليهودي يتضمن صريح الشرع وما أوجب الله لهم من حفظ الذمة وعدم الظلم والعسف ولم يعطهم فيه حرية كحرية النصارى." قلب إبراهيم الكتاب الغريب الذي لم يكن تسفيره على عادة أهل المغرب تم رأى في أول صفحاته أن عنوانه الاستقصا وأنه طبع بقاهرة المعز أربع سنوات قبل متم القرن التاسع عشر المسيحي.
ترك أصبعه بين دفتي الكتاب حتى لا تضيع منه الصفحة وهو يتأمل حالته وحالة عائلته التائهة بين الأودية والجبال والفيافي والقفار. هو الآن في حماية موسى وغدا من يحميه. تذكر أنه لم يسأل موسى بعد عن وجهته ووجهة اليهود الذين معه تأدبا. تابع القراءة: "ونص هذا الظهير المذكور بالطابع الكبير: بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، نأمر من يقف على كتابنا هذا(...) من سائر خدامنا وعمالنا والقائمين بوظائف أعمالنا أن يعاملوا اليهود الذين بسائر ايالتنا بما أوجبه الله تعالى من نصب ميزان الحق والتسوية بينهم وبين غيرهم في الأحكام حتى لا يلحق أحد منهم مثقال ذرة من الظلم ولا يضام، ولا ينالهم مكروه ولا اهتضام، وأن لا يتعدوا هم ولا غيرهم على أحد منهم لا في أنفسهم ولا في أموالهم، وأن لا يستعملوا أهل الحرف منهم إلا عن طيب أنفسهم وعلى شرط توفيتهم بما يستحقونه على عملهم لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، ونحن لا نوافق عليه لا في حقهم ولا في حق غيرهم، ولا نرضاه لأن الناس كلهم عندنا في الحق سواء، ومن ظلم أحدا منهم أو تعدى عليه فإنا نعاقبه بحول الله، وهذا الأمر الذي قررناه وأوضحناه وبيناه كان مقررا ومعروفا محررا لكن زدنا هذا المسطور تقريرا وتأكيدا ووعيدا في حق من يريد ظلمهم، وتشديدا ليزيد اليهود أمنا إلى أمنهم ومن يريد التعدي عليهم خوفا إلى خوفهم، صدر به أمرنا المعتز بالله. في(...). ولما مكنهم السلطان من هذا الظهير أخذوا منه نسخا وفرقوها في جميع يهود المغرب وظهر منهم تطاول وطيش وأرادوا أن يختصوا في الأحكام فيما بينهم لاسيما يهود المراسي فإنهم تحالفوا وتعاهدوا على ذلك. ثم أبطل الله كيدهم وخيب سعيهم على أن السلطان لما أحس بطيش اليهود عَقَّبَ ذلك الظهير بكتاب آخر بين فيه المراد وأن ذلك الإيصاء إنما هو في حق أهل المروءة والمساكين منهم المشتغلين بما يعنيهم، وأما صعاليكهم المعروفون بالفجور والتطاول على الناس والخوض فيما لا يعني فيعاملون بما يستحقونه من الأدب."
هل حدث كل هذا في العالم وأهل الصحراء يقاتلون تدخل الأجنبي ويكافحون لكي تبقى المملكة مستقلة ويضحون بكل ما لديهم لتبقى حوزة السلطان مهابة الجانب؟ ما هو هذا التطاول الذي يتحدث عنه الكاتب يا ترى؟ ما الذي فعله اليهود حتى دفع السلطان إلى تحرير قانون جديد يضبط الأول؟ كانت الأسئلة تساور العروسي ولم يستطع مصارحة موسى. الحقيقة أن غريزته الدينية تحركت بشكل يكاد يكون تلقائيا عندما أحس بشيء من الحنق على بني إسرائيل الذين يقول أن الله دللهم بشكل مبالغ فيه وهاهو السلطان يعطيهم أكثر مما يستحقون. نهض من دون استئذان وراح مسرعا إلى خيمته وشعور غامض ينتاب جسده. هو الآن في حماية موسى؛ لماذا قام الحاخام بهذا الأمر؟ اختلطت في رأسه الأفكار المستمدة مباشرة من سور القرآن وصور إلياس وعلاقته بأحمد العروسي وكرم ولطف موسى الحاخام فاستبد به ما يشبه الدوار. عاد إلى الكتاب، وصار يتفحص صفحاته ليعرف معنى التطاول الذي يلح عليه الكاتب.
"واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعا لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأسا، فأما إسقاطها لحقوق الله فإن الله تعالى أوجب على تارك الصلاة والصوم وعلى شارب الخمر وعلى الزاني طائعا حدودا معلومة والحرية تقتضي إسقاط ذلك كما لا يخفى، وأما إسقاطها لحقوق الوالدين فإنهم خذلهم الله يقولون: إن الولد الحدث إذا وصل حد البلوغ والبنت البكر إذا بلغت سن العشرين مثلا يفعلان بأنفسهما ما شاءا ولا كلام للوالدين فضلا عن الأقارب فضلا عن الحاكم ونحن نعلم أن الأب يسخطه ما يرى من ولده أو بنته من الأمور التي تهتك المروءة وتزري بالعرض سيما إذا كان من ذوي البيوتات، فارتكاب ذلك على عينه مع منعه من الكلام فيه موجب للعقوق ومسقط لحقه من البرور، وأما إسقاطها لحقوق الإنسانية فإن الله تعالى لما خلق الإنسان كرمه وشرفه بالعقل الذي يعقله عن الوقوع في الرذائل ويبعثه بالاتصاف بالفضائل وبذلك تميز عما عداه من الحيوان، وضابط الحرية عندهم لا يوجب مراعاة هذه الأمور بل يبيح للإنسان أن يتعاطى ما ينفر عنه الطبع وتأباه الغريزة الإنسانية من التظاهر بالفحش والزنا وغير ذلك إن شاء لأنه مالك أمر نفسه فلا يلزم أن يتقيد بقيد ولا فرق بينه وبين البهيمة المرسلة إلا في شيء واحد هو إعطاء الحق لإنسان آخر مثله فلا يجوز له أن يظلمه، وما عدا ذلك فلا سبيل لأحد على إلزامه إياه، وهذا واضح البطلان لأن الله تعالى حكيم وما ميز الإنسان بالعقل إلا ليحمله هذه التكاليف الشرعية من معرفة خالقه وبارئه والخضوع له لتكون له بها المنزلة عند الله في العقبى. واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه وبينها رسول الله لأمته وحررها الفقهاء في باب الحجر من كتبهم فراجع ذلك وتفهمه ترشد وبالله التوفيق."
أين يحدث هذا؟ فيما وراء البحر؟ عند الإفرنج؟ في الدار البيضاء؟ عند الأجناس المختلفة التي يتحدث عنها البيت الشعري؟ إلى أين أنا ذاهب؟ إلى خراب نفسي ودمار عائلتي ودريتي؟ وموسى نفسه إلى أين يتجه؟ لم ينم طوال الليل وهذه الأسئلة والوساوس تسافر به بعيدا إلى حد صار معها يلوم نفسه عن عدم البقاء بجوار الصخرة والقتال حتى الموت. تم ذهبت به تأملاته الليلية السوداوية إلى الاستكانة لذكريات الصخرة وأصولها واكتشاف العروسي جده لتلك المناطق وهدوء العيش بها وفق الروايات المتعددة التي اطلع عليها. عند هذا الحد توقف طويلا وشد انتباهه أن جده الأعلى لم يكن يعاكس إرادة القدر. إذا كان من اللازم أن يحدث هذا وإذا كان الزمن زمن غرائب وعجائب فلا راد لأمر العناية العليا. وكأن بصيرة إبراهيم تفتحت لشيء ما لم يتبينه هو نفسه. نهض بعيد صلاة الفجر بقليل واتجه إلى خيمة موسى. وجده غارقا في صلواته وتبتلاته. افترش الثرى وهو ينتظر والكتاب بين يديه. عندما فرغ الحاخام من شعائره هم بسؤاله فتوجه إليه موسى قائلا: -إن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا. فهم إبراهيم معنى استعمال موسى للآية القرآنية في هذا الظرف بالذات. قفل راجعا إلى خيمته وبعد برهة عاد ومعه ابنه علي. عمد حلاق القافلة إلى قص شعر الطفل وأدخله في جبة صوفية سوداء، وكذلك فعل إبراهيم بنفسه.
تحركت القافلة رغم إلحاح سكان تنمل على بقاءها بضعة أيام خوفا من قطاع الطرق. كان الرجال يتقدمون القافلة سيرا على العادة لكن هذا التقليد سوف يجر الوبال على النساء. ففيما تأخر رتل السيدات مع مجموعة من أبنائهن قليلا هجم اللصوص على مؤخرة القافلة واختطفوا الجميع. لم يكد الرجال ينتبهون إلا عندما كان قطاع الطرق، ونظرا لمعرفتهم بتضاريس المنطقة، قد اختفوا تماما. وكأن العمل كان من سحر ساحر. لم يسمع لا صياح أطفال ولا استنجاد نسوة. أراد الحراس وشباب اليهود الذهاب للبحث عنهم لكن موسى منعهم من ذلك. حضن إبراهيم ابنه عليا وتغلب على الدموع التي كادت تنفجر. توجه ببصره إلى الحاخام فأشار هذا الأخير بأصبعه للسماء. في هذه اللحظة عادت الفقرات التي قرأها إبراهيم عن الحرية إلى ذهنه ومعها الأسئلة المقلقة. "...ولا فرق بينه وبين البهيمة المرسلة إلا في شيء واحد هو إعطاء الحق لإنسان آخر مثله فلا يجوز له أن يظلمه، وما عدا ذلك فلا سبيل لأحد على إلزامه إياه..." توقف عند هذه الجملة تم قال: " وددت لو كنت بهيمة الآن كما الإفرنج تماما وأعرف أن البهائم الذين اختطفوا زوجتي وبناتي سوف لن يظلموهن. أين هي العناية العليا التي أضحي في سبيلها بغرائزي وحريتي وزوجتي وبناتي؟ وما زاد من هيجانه الداخلي رؤية موسى كلما التقى بصره ببصره يشير بأصبعه إلى السماء.
PAGE \* MERGEFORMAT 11