كان أبو القاسم وحاجبه يمشيان بالليل ويلجئان نهارا إلى بساتين التين أو الزيتون التي لا تطؤها رجل آدمي خلال هذا الفصل. كانا يسيران وفق النجوم ويتأكدان نهارا من أنهما لا يخطئان الطريق. كان الملك يجد السير في اتجاه المحيط عله يجد فرقاطة يستقلها ليلجأ إلى حصن إيمازيغن حيث كان البرتقاليون يظهرون له محبة كان يعتبرها خاصة. كان حينما تصل جيوشه إلى مدينة آزمور ويكون هو على رأس المحلة يطلقون خمسة عشرة طلقة بالمدفعية ترحيبا به كما يبعثون له هدايا ثمينة من بينها الخمر الفرنجي الأحمر المعتق الذي كان يحبه كثيرا والجبن المجفف. لم يكن يعلم أنهم أعطوا موافقتهم لعبد الله إن هو انتزع عرش مراكش أن يساندوه وأن اقتراح بعث فرقة من الخيالة لمساعدة أبي القاسم لم تكن في الواقع إلا بدافع المراقبة ورفع التقارير لحاكم الحصن حتى يكون أول المهنئين للذي يربح المعركة. لم تكن هذه الأمور تخفى على الحاجب لكنه أخفى تحليلاته عن الملك حتى لا يثبط عزيمته. كان الحاجب يبني داخل مخيلته سيناريوهات عدة لإنقاذ الملك والعرش. لم يكن الحاجب يؤمن بقدرات الملك السياسية لكنه كان يتصرف من منطلقين اثنين: الأول أن بيعة أبي القاسم في عنقه وكان يعتقد في ذلك اعتقادا قويا والثاني أنه كان يفضله على أخيه ملك فاس لأن عداوة قديمة نشأت بينه وبين هذا الأخير أيام كان أميرا. كان أبو عبد الله ملك فاس يدعي العلم وكان يتطاول على العلماء ويجادلهم في شتى مجالات المعرفة. وكان الحاجب آنذاك طالبا بالقرويين ويتردد على القصر نظرا لأن والده كان في خدمة السلطان. وحدث أن جرى بينهما نقاش حول الموقف مما كتبه ابن عربي عن لقائه بابن رشد وكان الأمير متحمسا لرأي الشيخ الأكبر بينما كان الآخر متريثا في الحكم مفضلا تقليب الأمور من جميع جوانبها ومقدما على الخصوص حجة دامغة ألا وهي كون الخبر ورد على لسان ابن عربي وحده ولا يمكننا بحال من الأحوال أن نصدق كلام شخص عن نفسه حتى ولو كان عمر بن الخطاب. أحس الأمير أن في هذا مراجعة لرأيه فاستشاط غيظا ولطم الرجل على وجهه. قرر عبد السلام ابن الساسي، كان هذا اسمه، أن يغادر مدينة فاس ويلجأ إلى مراكش. غير اسمه ومر عليه زمن
طويل قبل أن يصل إلى حاشية الأمير أبي القاسم وكان له دور في إقناع أهل مراكش بمبايعته مختلقا قصة العته العقلي. كانت له إذن مخططات جاهزة وقابلة للتغيير متى دعت الضرورات ذلك لإنقاذ الملك والعرش. وعلى عكس ما كان يروجه المناوئون لأبي القاسم فلم يكن له من عيب إلا الخمر والنساء وحب الكتب والعلماء. وكانت الدعايات المغرضة التي يطلقها أعداؤه بإيعاز من أخيه ملك فاس تجد لها وقعا في مجالس مراكش ويتردد صداها إلى ما وراء الأطلس الكبير لتصل آذان الأفارقة وتنتشر شمالا إلى حدود مماليك الفرنجة والجرمان ناهيك عن التركمان وبلاد فارس. وفي الحقيقة كانت هذه الدعاية سيفا ذا حدين، فسكان مراكش لم يكن يهمم من ملكهم أكثر من رؤيته كل يوم جمعة والسلام عليه والتحدث إليه مباشرة. وكانوا إذا اشتم فيه أحدهم رائحة النبيذ دعا له بالتوبة وطلب الله أن ينصر السلطان ويهدأ الأوطان. أما الآخرون والذين كانوا يطمحون من وراء مبايعته إلى قضاء مصالحهم الشخصية فإنهم أضحوا يستعملون هذه الإشاعات، خصوصا عند البدو المتشددين وتأليبهم على السلطان طمعا في الإطاحة به ووضع آخر مكانه. ولم يكن من هم للسلطان وهو يقطع الطرقات الوعرة بحثا عن مكان آمن سوى مكتبته التي لم يستطع حملها معه والتي كانت تحوي آلاف الكتب. وكان حاجبه يطمئنه ويهدئ من روعه مبينا له أنه حتى وإن حدث ما لم يكن في الحسبان فإن أي وافد جديد على عرش مراكش لن يهتم بالكتب بل سترجع إليه لا محالة ومعها العرش العتيد. فهم الرجلان خلال ليلتين من المشي المضني والعيش على الأعشاب أنهما في مرتفعات بين قبائل شيشاوة وإيمنتانوت. كانت المسافة التي تفصلهما عن مراكش تسمح لهما بالظهور للناس بحيث كان من المستحيل أن يتعرف عليهما سكان هذه المناطق خصوصا وأنهما متنكرين في زي غير زي البلاط. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان. سمعا جلبة وضجيجا خارج الحقل الذي كانا يختبئان به فأخذا كل الحيطة لاستطلاع الأمر فرأيا خيلا وهدايا وجواري وغلمانا مجهزين ووراءهم فرسان شداد. حاولا الاقتراب من أحد المارة بقرب البستان واستفسراه عن الأمر فأجابهما بأن الهدايا تجهز لتبعث لسلطان مراكش الجديد. فسألا من يكون السلطان؟
فأجابهما أن لا أحد يعرف من هو فمن قائل أنه السلطان القديم ومن مؤكد أنه عبد الله وآخرون يجزمون أن لا هذا ولا ذاك وإنما ملك رمت به الأقدار الإلهية وكرامة الوليين المحلقين في فضاء مراكش. نعمة أنعمت بها الألطاف على هذه المدينة. وأردف أن ساكنة هذه المناطق ناقمة على كل الملوك المنحدرين من عائلة أبي القاسم. أحس الملك وحاجبه أن لا مفر لهما من العودة إلى الاحتماء بالليل وظلماءه. في هذا الوقت بالذات كان الفقيه أبا العباس قد تخلص من فرقة الخيالة وذلك بإيقاعها في كمين غريب. بلغ إلى علمنا أن الفقيه الشاب كان قد اتفق مع شمعون على خلع ملك مراكش ومبايعة أخ له كان قد ثار ضده عند اعتلائه العرش. لم يكن شمعون يثق لا في أبي القاسم ولا في أخيه ملك فاس كما كان يعرف أن عبد الله طاغية إن هو حكم مراكش أهلك البلاد والعباد. وحتى يأمن أبو القاسم شر أخيه أبو المحاسن وضعه في سجن بعيد عن مراكش بقرية يهودية. كانت هذه القرية هادئة بها ما يقارب الخمسمائة كانون وتقوم بحمايتها فرقة من الخيالة تقدر بثلاثمائة رجل كلهم على الدين اليهودي. كان صناع القرية وتجارها ورجال الدين بها على ولاء تام لأبي القاسم. لذا وضع شمعون مخططه مع أبي العباس وسلمه رسالة بخط يده إلى أعيان القرية يطلب منهم فيها تسليم السجين إلى الفقيه والفرقة العسكرية التي ترافقه. لكن وعوض أن ينفد الفقيه ما اتفق عليه مع الحاخام أحس أنه على مرمى حجر من حلمه الكبير والذي راوده منذ أن كان طالبا بالقرويين بفاس؛ وهو أن يصبح ملكا. فبعد موت ملك فاس والد أبي عبد الله وأبي القاسم حاول هذا الفقيه استدراج قبائل الأطلس المتوسط والكبير لقتال أبناء السلطان مدعيا انتهاء عهد الملكية الوراثية وبزوغ عهد المهدوية. وكان قد تشبع بهذه الأفكار خلال مقامه بخراسان وبالضبط في مدينة تدعى قاسان كانت تعد احد معاقل ما كان يدعى بجماعة الحشاشين. الحقيقة أنه كان على علم بكل ما كتب من أساطير الأولين وأنباء المتأخرين لكنه وحسب الفضلاء الذين استمعوا إليه وهو يجادل العلماء الذين انجروا لمحاججته، كان مطلعا دون القدرة على الإتيان بما يؤكد أصالة فكره. وهو بهذا كان ناقلا فقط دون اجتهاد
يذكر. كان حسب ما قرأت عنه من بعض العلماء الذين يتوخون الحقيقة قبل الإقدام على تدوين ما يلقن للأجيال اللاحقة، كالسفسطائي بإمكانه أن يدافع عن فكرة ما وعن ضدها في الساعة التي تليها. وفاته هنا أن القبائل لا تندفع وراء الأفكار والدعوات بل لها ضوابط عرقية والتزامات إستراتيجية لا تسمح لأي وافد غريب أن يتوصل إليها حتى ولو كان يحمل علم سقراط. ولما اصطدم برفض القبائل بل كاد في بعض الحالات أن يؤدي ثمن ذلك بحياته انتقل إل قبائل هنتاتة وهسكورة وحاول أن يلعب على خصام بينهم وبين سلطان مراكش. ولما تمكن من سلب عقولهم، وخصوصا شيخ قبيلة هنتاتة، بادعائه المعرفة بأمور الآخرة صاروا يصدقون قدرته على التنظيم والحرب والرياسة والسياسة والملك. وحقيقة الأمر أن أعيان هذه القبائل لم يكن لديهم ما يخسرونه. فهو غريب وضعوه تحت التجربة إن هو نجح فذاك وإن لم ينجح قتلوه ولن يأتي أحد للمطالبة بفديته. اتفقوا إذن على أنه سوف يحاول التسلل إلى المحيط الضيق للملك وينتهز الفرصة المواتية لكي ينقض على العرش. طلب إذن من محاربي القبيلتين البقاء على استعداد دائم للتحرك على أن يتواصل معهم بواسطة الحمام الزاجل الذي كان يتقن تربيته. وفعلا كان. وهكذا فحسابات شمعون رغم دهائه لم تنفع مع هذا المتعطش للدم والسلطة. فبعدما غادر مراكش بعث برسالة إلى حلفائه يبشرهم فيها بالنصر القريب ويطلب منهم أن يلتقوه في شعاب غير بعيدة عن القرية اليهودية. من جهة أخرى طلب من يهود القرية حين وصوله إليها أن يسلموه أخ الملك دون أن يطلعهم على ما دار بينه وبين الحاخام. فكان بالطبع أن دافع اليهود عن السجين ووقعت المعركة بين الفرقتين، في هذا الأثناء التحق هو بمحاربي القبيلتين وأجهزوا على الجميع ،أقام بعدها محكمة سريعة حمل فيها كل مصائب الغرب الإسلامي لعائلة ملك فاس وأمر بجز رأس الأمير أبي المحاسن. كان جيش القبيلتين جرارا رغم تواضع سلاحه. كانوا من المحاربين الأشاوس الذين لا يتراجعون أمام أية قوة مهما عظم شأنها. اجتمع أعيان القبيلتين وأعلنوا أبا العباس أميرا عليهم. هذا ما كان يخشاه الوليان. ما كان يفصل الفقيه الأمير عن مراكش مسيرة يومين لكن حجم المحلة
ووعورة الطريق والحيطة اللازمة جعلاه يأمر قواد المحاربين بالتباطؤ في المسير. ولم يأتيه الحمام الزاجل بما يسره. فلقد وصلته أخبار أن الأمر مستتب بمراكش لملك لا يعرف عنه أحد شيئا. فهو يأمر وينهي ويصدر الأحكام دون ذكر اسمه والكل ينتظر يوم الجمعة ليرى باسم من سوف تقام الصلاة. رد الجواب وطلب من جاسوسه أن يذهب لملاقاة شمعون ويستطلع الأمر لكن الحمام لم يعد فاستنتج أن يكون مخبره قد وقع في الأسر. فقئت عيناه وأصابه الصمم هو الآخر كعبد الله قبل أن يغرق. جن جنونه خصوصا وأنه يعرف أن ليس بإمكانه الحفاظ على حماس المحاربين الذين وعدهم بإقامة صلاة الجمعة المقبلة بجامع الكتبية. بدا وكأن رئيسي القبلتين فطنا لشيء ما وأصبحا يكثران من الأسئلة الدقيقة والمحرجة التي لم يكن الفقيه المغامر يستطيع للتهرب منها سبيلا. حاول أن يتجنب لقاءهما بإيهامهما أنه يدخل في حالات من التأمل والتفكر في أمور الغيب. لذا كان يختلي في خيمته وكان يسمع من حين لآخر تعاويذ وزمجرة بل صراخا لم يكن يفهم منهما احد شيئا. بادر شيخ قبيلة هنتاتة الذي كان يبدو أنه يستعجل الدخول إلى مراكش بطلب اجتماع إلى شيخ فدرالية قبائل هسكورة. كان من المستحيل أن يقوم أي تحرك بدون موافقة هذا الأخير نظرا لسيطرته على طريق مهم من طرق إفريقية الممول الرئيسي للمنطقة من الذهب. لو انطلقنا غدا بعد صلاة الفجر ونظرا لصعوبة الطريق وإيقاع سيرنا البطيء فإني أتوقع أن لا نصل إلا يوم الجمعة بعد الظهر. إذا كان كلامي صحيحا فإن فكرة صاحبنا القاضية بأداء صلاة الجمعة بمراكش تصبح لاغية. لقد واعدت مقاتلي قبيلتي ومقاتلي التحالف الذي ساندنا بهذه الصلاة المهمة. لذا يبدو لي من اللازم أن نسير ليلا ونهارا دون توقف. يا عزيزي إن مقاتلي هنتاتة لهم معرفة بالتضاريس التي سو ف نجتازها على عكس مقاتلي هسكورة، أضف إلى ذلك خطر التحرك ليلا كيف يمكننا السير بدون عيون؟ تصور لو جاء العدو يضرب صفوفنا الخلفية. ثم لا بد لنا من استشارة الفقيه، فرغم كل هذا فهو قائدنا. الفقيه مستغرق في صياحه وأنا لا أظن أننا سوف نقتحم مراكش بالتأمل والدعوات مهما كانت صالحة. كان يتكلم وهو يتحسس بكلتا يديه مقبض
سيفه في حركة آلية لا شعورية.
كان النهار قد أشرف على المغيب والشيخان جالسان لوحدهما على صخرة مرتفعة ينظران إلى الغرب في اتجاه مراكش. وكانت الشمس وهي تغطس في شيء ما وراء الجبال الأطلسية تصبغ على المشهد حمرة كأنها النار تشتعل في الآفاق، في مراكش. كأنه الحلم الذي يراود شيخ هنتاتة منذ أن أحس أن بلاد الغرب الإسلامي سائرة إلى التلف والاندثار. كان يردد بلكنة أمازيغية واضحة " وتلك الأيام نداولها بين الناس"، تم يقول في قرارة نفسه " ألم يأتي دوري بعد؟". كان يعرف بالتجربة أنه لا يمكن احتلال مراكش إلا بإحراقها والإتيان على مظاهر المدنية بها. وكأن شيخ قبائل هسكورة فطن لما يدور بخلد محدثه فأنشده بيت المعري المشهور: سر ما استطعت في الهواء رويدا × لا اختيالا على رفات العباد. وبادره بالقول: هب أن السلطان استجمع قواه وتصالح مع ابن أخيه وجهز نفسه لملاقاتنا. هل يتوفر قائدنا الحالي على خطة بديلة تضمن لنا على الأقل سلامة محاربينا؟ ولماذا سلامة محاربينا؟ هل تفكر في الاستسلام؟ هذه قوانين الحرب، ما إن تفكر فيها حتى تفكر في الهزيمة وفي السلام والمفاوضات وحتى الاستسلام. أظن أن حديثنا هذا دون فائدة في غياب الأمير المهدي فله الحق، لأننا نريد تنصيبه أميرا للمؤمنين وسلطانا على مراكش، في أن يدلي برأيه في الخطة العسكرية. لكن أين هو؟ هل القائد العسكري يقضي وقته في الصلوات والدعوات؟ لكل مهمته، هناك من يصلي وهناك من يخطط وهناك من يحارب. إذا كان يريد الاعتكاف فما عليه إلا أن يبني زاوية ويوقف فيها حياته على الذكر والوقوف والعبادة. ليس لنا وقت نضيعه في هذه الأمور. سأذهب شخصيا لإحضاره. فالأمر لا يحتمل الانتظار. هكذا تكلم وهو ينهض تم مشى بخطوات حازمة في اتجاه خيمة الفقيه. عاد الشيخ وقد امتقع لونه وهو يتلعثم في كلامه لم أجد له أثرا؛ الفقيه غير موجود في خيمته. أسرع أحضر لي حراس مخارج ومداخل المحلة واطلب من الباقين البحث عن الفقيه، قال هذا الكلام متوجها إلى حارسه الشخصي. لم يعد شيخ هنتاتة يقيم أي اعتبار لأمنه الشخصي كل ما يهمه الآن هو حضور الشيخ الفقيه للتباحث والتحضير للمسير. لكن شيئا ما بداخله كان يقول له أن الفقيه اختفى وأن في اختفائه سر
ما ربما لن يكون فألا حسنا بالنسبة لمشروع غزو مدينة مراكش. اجتمع الحراس ومخبرو المحلة والحارس الشخصي للفقيه في حضرة الشيخين لكن الكل أكد أنه لم ير أبا العباس لا خارجا ولا داخلا لا لخيمته ولا للمحلة. كل ما عثروا عليه عندما فتشوا خيمته هو بضعة أوراق متناثرة وأثر بخور. ومن خلال تحليل وفحص تلك الأوراق عثر المحققون على الخطاب الذي تلقاه الفقيه بواسطة الحمام الزاجل والذي يفيد أن مملكة مراكش توجد الآن تحت سلطان ملك لا يعرفه أحد وأنها تنعم بالهدوء والطمأنينة. فتشوا عنه في جميع الشعاب والوهاد وأتوني به حيا أو ميتا. تفرقوا في جميع الجهات. لا داعي لذلك فلقد قلت لك قبل قليل أنه من الصعب العثور على قطة سوداء في غرفة مظلمة في ليلة ظلماء. لننتظر حتى الصباح ونرى في أمرنا. الأجدر بك أن تطلب من المقاتلين أن يبقوا أيديهم على الزناد وعلى مقابض سيوفهم. فمن خدع اليهود بإمكانه خداعنا. ربما يكون جرنا إلى كمين لن نخرج منه أبدا.
في هذا الوقت بالذات كان الفقيه وهو متنكر في زي عجوز شمطاء يصارع الظلمة والأوحال والخوف من الزواحف يتجه نحو جبل أوكايمدن . كان يحاول أن يصل إلى مكان آمن قبل طلوع الشمس. هذا ما اتفق عليه هو وشيخ قبائل هسكورة الذي ساعده على الهرب. الحقيقة أنه كان للشيخ الهسكوري مخبرين داخل مدينة مراكش حاولوا أن يخبروه بما يجري بواسطة بعض الفلاحين الذي عادوا متأخرين في اليوم الأول من تحرك المحلة الكبرى نحو مراكش. وكان يود أن يختلي بالفقيه أبي العباس حتى يستفسره في الأمر سيما وأنه لم ينبهر كثيرا بهذا الشاب رغم فصاحته و تنطعاته الفكرية. كان على قدر غير قليل من العلم والمعرفة بحيث درس في بعض الزوايا التي كانت موجودة في واحات الصحراء قبل أن ينتقل إلى سجلماسة ففاس، وهناك نصحه شيوخه بالعودة إلى بلده واستغلال منصب والده لقيادة التحالف القبلي بالجنوب ومحاولة الدفاع عن طرق القوافل الصحراوية التي كان الإيبيريون قد بدءوا في الاستيلاء عليها. أقنعوه بأن الجهاد ضد التوغل الأجنبي أهم من التبحر في علوم قد لا تجلب على حاملها إلا الويلات. وكان أبو العباس من بداية اللقاء به يهابه ويخشى الدخول معه في مصادمات فكرية. لذا لما اقتحم عليه خيمته وهو فيما يشبه الجذبة لم يستطع مراوغته وحدثه بما توصل به بواسطة الحمام الزاجل كما أكد له أنه فقد الاتصال بمخبريه ولذا فهو في حيرة من أمره. فما كان من شيخ هسكورة إلا أن اقترح عليه النجاة بجلده والعودة إلى حياة البراري. لكن الشيخ لم يتعظ وهو في حالته البدائية كان يود أن يقطع الجبال ليذهب إلى تنمل لطلب المساعدة من قبائل الموحدين على اعتبار أنه المهدي وأنه عاد لبسط العدل فوق الأرض.
عاد كل إلى خيمته ولم يزر النوم جفون شيخ هنتاتة. لم يكن ذكيا لكنه كان محاربا شرسا وذا حس استراتيجي يكاد يكون غريزيا. يشتم رائحة عدوه قبل آلاف الأميال. لكن أمر الفقيه تركه في حيرة من أمره. كيف يمكن أن يتراجع هكذا فقط لأنه فقد الاتصال بمخبريه؟ وماذا عن حلفائه داخل مراكش، ألم يقل أنهم من داخل القصر ومن الدائرة المقربة من الملك؟ ومن يكون الملك الجديد؟ وأين ذهبت جيوش عبد الله؟ لو كان هناك جديد لكان أبناء قبيلتنا الذين وضعناهم جواسيس في خدمته أخبرونا؟ تم ما سر هدوء شيخ قبائل هسكورة؟ أعرف انه لا يهتم بعرش مراكش لكن حلفنا سوف يأتي عليه بالنفع العميم. أنا اهتم بالذهب وهو يهتم بالدفاع عن حوزة الأوطان، كل منا يجد ضالته. ما له وكأنه يتردد؟ حب السلطة والانفراد بالقرارات وكذا التسرع كان من صفات شيخ هنتاتة القاتلة. لم يغادر فضاء قبيلته أبدا إلا لتقديم الولاء لملك فاس مرة واحدة حيث رافق والده مرغما. بعد أن درس القرآن دون أن يحفظه كما تقتضي العادة عند أبناء الوجهاء تدرب على ركوب الخيل ومقارعة السيوف والنبال. أغار في مرات عديدة على مواكب السلاطين والأمراء وأهدر دمه في غير ما مرة. عاش حياة الذئاب في أعالي الجبال متنقلا بين قممها يغير على القبائل العدوة والصديقة وكان يصل به الأمر إلى الإغارة على مناطق فيما وراء كاو من بلاد السودان والعودة بغنائم لا تخطر على بال. وفعلا فخلال غزواته هاته تعلق قلبه بتجارة الذهب والملح والعبيد والجواري وصار يطمح إلى أن يكون سيد الصحراء وما وراءها. لكن كان يلزمه شيئان اثنان أولاهما بعد النظر وهذا أمر لم يكن واعيا به وثانيهما هبة دينية أو روحية وهذا ما كان يبحث عنه عند الفقيه أبي العباس. كان يريد أن يقدمه على أنه ولي من أولياء الله لا يهتم لا بالمال ولا بالبنين ويحب أن يجاهد ويدود عن حوزة الوطن ضد التوغل المسيحي. بكلمة كان يريد أن يشغل شعب السودان بالجهاد ليتفرغ هو للتجارة وسلب حرية الناس لبيعهم عبيدا في أسواق النخاسة. لكن شيخ هسكورة فوت عليه هذه الفرصة. لم يكن في نية شيخ هسكورة أن يحتل مدينة مراكش ولا أن يشارك في ذلك. كان يعرف أن جنده غير متمرسين على حراسة
المدن وأنه سوف يقضي على قواته إن هو سجنها داخل الأسوار خصوصا داخل مدينة كمراكش مستهدفة من طرف عدد كبير من الطامحين للسلطة. اكتشف أن حلمه الجهادي الذي تكون لديه أيام الدراسة ليس إلا إنشاء أدبيا لا علاقة له بالواقع. إذ ما إن أرسل من طرف والده على رأس بعض الحركات إلى قبائل بامبرا ببلا د السودان الأقصى حتى تهاوت القناعات المثالية لتحل محلها أفكار نفعية واقعية. لا يمكن أن تجاهد بدون مجاهدين ولا يمكن للمجاهدين أن يتحركوا دون مال ولا يمكن للمال أن يصرف دون أن يحصل عليه ولا يمكن تحصيله دون ضرائب أو تجارة أو نهب. وإذا توفر المال مرة فيمكنه أن لا يتوفر مرات أخرى لذا وجبت حماية مصادر المال وذلك ببسط السيطرة على الشعوب والقبائل التي توفره سواء بالإقناع أو بالسيف. وهذا ما يسمى بالدولة. وللدولة قواعد وضوابط ليست هي تلك التي يسير عليها قطاع الطرق. والأمير الهنتاني كان قاطع طرق وخصوصا تلك التي تمر من هسكورة. لذا كان يطمح الهسكوري في أن يقنع صاحبه بلا جدوى السيطرة على مراكش وإنما محاولة تأمين الطريق الآتية من السودان والمارة من هسكورة والمتوجهة إلى ثغور آنفا فآزمور تم إيمازيغن. طلب الشيخ الهنتاتي، الذي لم يستسغ خروج الفقيه من خيمته دون أن يراه أحد، الحراس الهنتاتيين الذين كانوا يراقبون المحلة واجتمع بهم سرا. كيف يمكن لفقيه في حمايتي أن يغادر المحلة دون أن تعلموا به؟ تكلم أحد كبير الحراس والذي كان يمتاز بالصمت وعدم الكلام قبل أن يسأل لقد رأيت شيخ الهسكوريين يدخل خيمة الفقيه عند صلاة الظهر ولما اقتربت منه طلب مني أن أترك أمر حراسة خيمة الفقيه لمرافقيه. ابتعدت لكنني بقيت أرقب الخيمة من بعيد. وعند صلاة العصر رأيت الشيخ يخرج من الخيمة ومعه أحد حراسه تم رأيت شيئا غريبا لم أصدقه. ماذا رأيت؟ أسرع حدثني بما عندك. رأيت امرأة عجوز تخرج معهم، شيعها الشيخ ورافقها حارسه إلى خارج المحلة. أظن أنا سيدة من الدواوير المجاورة جاءت للتبرك بسيدي أبي العباس. امرأة عجوز، جاءت للتبرك بسيدك أبا العباس، لماذا لم تخبرني بكل هذا؟ تعرف سيدي أنني لا أتكلم إلا إذا سئلت، لم تسألني ولذا أبقيت على سري. هل تذكر الحارس
الذي رافق العجوز؟ هل بإمكانك أن تدلنا عليه؟
أحس الجميع وخصوصا المرافقين الخلصاء للشيخ الهنتاتي أن الحلف المقدس مع هسكورة آيل للانفصام. كانوا يعرفون غريزة الانتقام القوية التي تسكن شيخهم حتى النخاع. خرجوا دون أن ينبسوا بكلمة وعادوا ومعهم الحارس الذي ساعد الفقيه على الهرب. كان مكبل الأيدي والأرجل كما وضعوا كمامة على فمه. عندما ألقوه عند رجلي شيخ هنتاتة بادر هذا الأخير إلى فك وثاقه وكمامته بسيفه بسرعة أضاء معها لمعانه كل الخيمة وكأنه البرق. لم تكن من عادات الهنتاتي أن يسأل أعداءه وهم مقيدين. لم يلزمه كثير من الوقت ليحصل على ما يريد. كان الحارس يعرف قسوة الشيخ فلقد سارت بذكرها الركبان. كان يبدأ بقطع الأعضاء الصغيرة قبل أن ينتقل بتدرج وبمتعة فائقة إلى الأعضاء الأخرى الأكثر حساسية. لذا وعندما قطعت أذن الحارس طلب الآمان والحماية من بطش شيخه وحكى القصة كاملة. أمر الهنتاتي لحظتها أربعة فرسان ومعهم الحارس الهسكوري بالخروج في أثر الفقيه. كان التسرع من صفاته القاتلة كان يمكنه أن يتجول بدون حراس. وفعلا كان.
لما أحس الشيخ الهسكوري بغياب أحد حراسه فطن إلى الأمر. سار على رأس مجموعة من أحسن مقاتليه الأشداء متنكرين حتى اندسوا وراء خيمة الهنتاتي. لم تفتهم ولا كلمة واحدة مما دار من حديث ومن اعترافات الحارس الذي تكلم تحت التعذيب. لما خرج الفرسان الأربعة وهم من خيرة المحاربين الهنتاتيين انقض الهسكوري ومن معه على الشيخ المتهور وقيدوه تم اقتادوه في سرية تامة إلى مكان آمن. كما أعطى الهسكوري أوامره لفرقة من الخيالة لملاحقة الفرسان الأربعة واقتيادهم إلى نفس المكان الذي أسر فيه قائدهم. لما أزيلت العصابة عن عيني الهنتاتي وجد نفسه أمام فرسانه مقيدين في حضرة شيخ هسكورة. فهم بسرعة أنه سجين عند الهسكوريين ولم تكن هذه المرة الأولى التي وجد فيها نفسه على هذه الحال. فهم أيضا أن أمر اقتحام مراكش سيؤجل إلى وقت لاحق. اجتمع الشيخ الهسكوري بشيوخ القبائل الموالية له وأطلعهم على كل شيء. طلب أن يجهزوا أنفسهم للعودة إلى معاقلهم في ما وراء جبال الأطلس الكبير على أمل أن يتم إقناع الهنتاتي المتهور بتبني مقترحاتهم القاضية بتأمين طريق السودان إيمازيغن وبهذا كان يطمح إلى مهادنة البرتقاليين ليتسنى له عزلهم عن السبنيول وباقي النصارى الذين كانوا قد تمكنوا من الطرق السودانية. كان يعتقد جازما أن هذا لو تم فإن مراكش ستسقط لوحدها بدون قتال. كما أن هذه الخطة سوف تظهر الزوايا، التي كانت تدعي مقاومة الغزو الأجنبي على طول المحيط الأطلنطي، على وجهها الحقيقي أي بمظهر المتعاون المباشر مع الكفار.
لما أصبح الصباح كان الفقيه المهدي يمشي داخل قرية لا يعرف عنها شيئا. رآه الأطفال وهو يمشي متنكرا في زي امرأة فصاروا يرجمونه بالحجارة وهو ينادي بأعلى صوته "أنقذوني، أنقدوني، أنا سلطان، أنا سلطان". لم يكن أحد يعرف ما يقول. كانت ساكنة القرية كلها أمازيغية. لم يلحقه الكبار إلا عندما كان الأطفال قد أصابوا رأسه بجرح بليغ. لم يمنعه هذا من ترديد لازمته "أنا سلطان، أنا سلطان". لما أنقذه الناس وداووا جرحه سألوه من يكون فصار يحكي لهم قصته بالكامل. عندها تيقنوا أنه مخبول عقليا قرروا أن يسرحوه ويبعدوه عن قريتهم. بقي يردد "أنا سلطان..." والناس يسمعونها تتردد في الشعاب وهم يدعون له بالشفاء كما دعوا لعدد كبير من أمثاله مروا بهم وكانوا يرددون نفس الجملة. كان الفقيه قد أخذ طريقا غير الطريق الذي يريد فلقد سار في اتجاه الشمال الشرقي دون أن يفطن لذلك وبقي على اتجاهه في وديان آيت بوكماز.
انتبه الهنتاتيون إلى الحركة غير العادية التي توجد عليها محلة الهسكوريين فراحوا يطلبون شيخهم. كانوا يعرفون أنه كان يخرج دون أن يخبر أحدا اللهم حراسه الأربعة الأوفياء والذين لسوء حظه يوجدن معه في الأسر. لم يعثروا للهنتاتي على أثر ولم يكن قد عين أحدا يخلفه في حال غيابه. كانت له جميع سمات الطاغية المستبد بالأمر والرأي. لا يعرف إلا منطق السيف. لا يعرف كلمة "لا" بل يترجمها بحركة سيفه قاطعا الرأس التي تحمل فماً يعارضه. كان الحارس الصموت يعرف كل شيء لكن لم يطلب منه أحد شيئا. تحركت محلة الهسكوريين في اتجاه الشرق وبقيت محلة الهنتاتيين كالثعبان المقطوع الرأس تتحرك دون أن تبرح مكانها. كثرت الأسئلة وتعالت أصوات من هنا وهناك لكن لا أحد كان بإمكانه أن يعيد النظر في سلطة صقر القبيلة وذئبها المفترس. فبالرغم من أنه كان للهنتاتي بنو أعمام في المحلة فإنه لم يكن بإمكانهم أخذ المبادرة أو حتى طرح السؤال.
كان الشيخ الهسكوري قد خطط لكل شيء. فقبل مغادرة المكان ترك جواسيسه مندسين داخل محلة الهنتاتي. كان يعول على أن يبرز من بينهم قائد تكون له شجاعة السير بجيش القبائل المنضوية تحت لواء الهنتاتيين إلى اتجاه معين: إما العودة إلى بلدهم أو المغامرة بالسير نحو مراكش. كان يتمنى أن يبرز هذا الشخص حتى يعقد معه الصلح ويسلمه الهنتاتي لمحاكمته و ربما لتصفيته. لكن قدر المستبد بالأمر هكذا في حالات مثل هذه تنزل الطامة عليه وعلى من اتبعه أو خضع إليه. وكأن الأقدار تعاقب الجماعة بذنب شخص تماما كما حدث لفرعون وجيشه. كان الهسكوري يتقدم بجيشه متثاقلا عله يسمع بوصول أحد الرسل يخبره بأمر ما. لكن شيئا من هذا كله لم يحدث. الشيخ الهسكوري يتقدم وينتظر وشيوخ القبائل الحليفة لهنتاتة تنتظر.
الانتظار كان أيضا هو الغالب على ساحة القصر بمراكش. لا زال الأعيان ينتظرون تحت شمس حتى وإن كانت ربيعية فإن حرها كان لا يحتمل. كانوا يرون من حين لآخر بعض عناصر الشرطة والجيش الذي تأخروا عن الالتحاق بعملهم يعودون ليلجوا باب القصر تم يختفون نهائيا. لم يصعد المؤذنون للصوامع ولم تشاهد أفواج المصلين وهي تسرع لتلحق ببداية الصلاة وراء الأئمة. لم تفتح الدكاكين أبوابها ولزمت الناس منازلها كما كان عليه الحال في اليوم السابق. فجأة خرج جندي من بوابة القصر، كان يمشي وقد ارتفع رمحه إلى السماء في اتساق مع حركة رأسه وصل إلى حدود المنحوتات الغريبة وقف ودون أن ينظر إليهم قال: " امشوا من هنا". اختلط لدى الأعيان الفرح بالخوف زيادة على عدم الحركة ليومين متتاليين والتي جمدت عضلاتهم فساروا يجرون تم يسقطون فوق بعضهم البعض قبل أن يستقيموا ويستمروا في الركض كأنهم حيوانات مذعورة. كان بعض الحمقى الذي غادروا المارستان في غفلة من حراسهم في الليلة الليلاء التي عاشتها مراكش يتضاحكون في بهجة قل نظيرها وهم ينظرون إلى هؤلاء الأعيان الذي كانوا معروفين من الخاص والعام بمدينة مراكش. وبالرغم من أن عذابات هؤلاء انتهت وانتهى معها فضول الناس التي كانت تتابع المشهد من خلف الأبواب عبر الثقوب فإن الكل بقي ينتظر صدور أمر ما أو عقيرة مؤذن وهي ترتفع لتعلن شيئا ما. بقي الترقب ومعه الصمت زيادة على خلو باحة القصر من ذلك المشهد المضحك جاثما بكل ثقله على صدور ساكنة مراكش.
في هذا الوقت كان مجموعة الجواسيس والأعيان أو لنقل فرقة عمران تنتقل من بيت مهجور إلى آخر ومن مغارة إلى أخرى. كانوا يقضون نهارهم كالخفافيش مختبئين عن النور وبالليل يخرجون حتى أصبحت عيونهم قادرة على مشاهدة كل شيء في الظلمة كالقطط. لم يبق يجمعهم أي شيء إلا مشروع النجاة وصار كل واحد منهم يوهم الآخر بالبحث الجماعي عن الحل، لكنهم كانوا في الحقيقة يبحثون عن خلاص فردي. كان بإمكان أي منهم إن هو استطاع التخلص من أصدقاءه للنجاة بجلده فعل. كان عمران أميرا على أشباح من سراب في فلاة جرداء ملساء. كان يحاول أن يحكي حكايات غريبة عاشها في روما وفلورنسا وكان قبل أن يترجم الحوارات التي دارت بينه وبين سكان هاتين المدينتين يرويها أولا باللاتينية قبل أن يترجمها للعربية. كان يحكي أنه نزل ضيفا على عائلة ثرية ونبيلة من فلورنسا تدعى آل ميديسيس وكيف أنه وجد عندهم أحد المغاربة الذي اعتنق المسيحية وسمى نفسه ليون. وكيف أن هذا المغربي كان معتكفا على كتابة كتب ورسم خرائط عن المغرب لصالح بابا الكاثوليك بروما وأن هذه الوثائق سوف تستعمل ضد بلاد الغرب الإسلامي.
لم يكن أحد يتابع حكايات عمران لكنهم كانوا يلحون عليه في سردها على مسامعهم لأنها كانت تساعدهم على النوم. كان التاجر الحكيم هو الذي يتحدث إليه عن تفاصيل مدينتي روما وفلورنسا ويناقشه في نهضتهما العمرانية وحركتهما الصناعية والتجارية. كان يعرف جيدا أن سكان بلاد الغرب الإسلامي لم يكونوا يهتمون بما يحدث في البلدان الأخرى كانوا يظنون أنهم وصلوا من الرقي ما لم ولن يصل إليه غيرهم. لذا توقفوا عن التفكير في المستقبل. بل توقفوا عن معرفة أحوال غيرهم من الأمم وطرائق عيشهم ومخترعاتهم بل حتى حيلهم الحربية والميكانيكية. وذهب بهم هذا الأمر إلى حد اعتبار كل من حاول الإطلاع على حياة الآخرين كافرا وجب إحراقه أو الرمي به في مغارة الوحوش المفترسة. وأبدعوا في ذلك فتاوى نحتوا من أجلها أحاديث نبوية قالوا أنها صحيحة. صار كل من يشير إلى الآخر بالخير أو الشر يلقى به في النار. لهذا السبب كان عبد الله يلاحق الوليين ولهذا السبب فر عدد من العلماء والصلحاء من المدن إلى الصحاري والبوادي منهم من يهدي الناس ومنهم من يدعي الجهاد وآخرون يدعون المهدوية كالفقيه أبي العباس التائه في وديان الأطلس الكبير. تعددت الآراء لكن في غير صالح مستقبل الأمة. صار كل من اطلع على كتاب قل أو عظم شأنه ينصب نفسه عالما مطلعا على أمور الدنيا والدين ويسمح لنفسه بإصدار فتاوى حسب ما اتفق. كثر المشايخ والأولياء وتحول عدد كبير من الكتاتيب القرآنية إلى زوايا للدعوة. كنت تسأل احد هؤلاء الدعاة عن موقع أوروبا من الخريطة فلا يستطيع أن يفرق بين الشرق والغرب. انصرم السلطان وصارت الأوطان للتلف.
كل هذا والوليان سابحان في فضاء مراكش يتفرجان على المشهد ويتقطعان أسى على بلاد الغرب الإسلامي. كانا ينظران إلى أولياء وصلحاء مراكش ويتعجبان من كونهم لا يبادرون إلى تغيير المنكر وإصلاح أمور الناس. كان العروسي الذي يصغر البودالي سنا وتجربة يسائل صاحبه عن صمت الأولياء ويتعجب من صمته الذي ذكره بصمت الخضر مع موسى. كيف يمكن لمن رأى هذه المصائب تحل بحاضرة سيدي أبي العباس أن لا يخرج في الناس داعيا هاديا حتى تستقر الأوطان؟ لكن البودالي كان يعرف كغيره من أولياء مراكش أن ما يحل ببلاد الغرب الإسلامي عذاب من الله أو محنة منه. لا داعي للخروج في الناس ما دامت الناس لم تغير ما بها. لقد انتهى زمن ودخلنا في زمن آخر. الإنسان يتطور من دورة زمنية إلى أخرى ولكل زمان رجاله ورجال هذا الزمان الجديد لم يظهروا بعد. كان البودالي يتحدث إلى نفسه لكن كلامه كان يطن في أعماق العروسي. لا داعي للعمل إذن يا صديقي رحال؟ لو كان هناك داع لرأيتهم كلهم في الشوارع والطرقات وداخل المساجد وفي الأسواق يدعون إلى ما يرون أنه آت لا ريب. وهل ساعة الزمن متوقفة الآن؟ لن يحدث شيء بعد اليوم؟ ليست متوقفة لكنها تدور في الفراغ وتطحن كل ما أنجز حتى الآن. دعك من هذا وتأمل ما يحدث ففيه عبرة لمن يعتبر. أين الفقيه الذي يدعي أنه المهدي المنتظر؟ أين سلطان مراكش، وسلطان فاس، وابن سلطان فاس، وشركاؤهم، و...و...؟ كلهم في ظلام يعمهون دعك إذن من كل هذا وأنصت إلى ما سيأتي به المستقبل، أنصت لكلام شيخك عبد الرحمن وهو يتحسر على الغرب الإسلامي وذهابه أدراج الريح.
وفعلا كان سلطان مراكش يتحايل على الزمن وعلى الجغرافيا عله يصل إلى البحر. كان الحاجب قد ألغى عدة مخططات جاهزة لإنقاذ السلطان. شطب على أسماء قبائل وعائلات كان يظن أنه بإمكانهما اللجوء إليها وطلب حمايتها. كانا كلما تقدما في السير كلما تقلصت أحلامهما بل حظوظهما في النجاة. لم يكن السلطان يعبأ بكل هذا. كان يردد لازمته الأبدية "مكتبتي، مكتبتي، متى أسترجع مكتبتي؟". وكأنه كان يعلم بحدس ما أن عودته إلى عرشه مرهونة باسترجاع مكتبته. لم يكن في الحقيقة أمامهما أية قبيلة قوية. كل القبائل الحليفة للسلطان كانت ضعيفة أو كانت تؤدي الخراج مرة لملك مراكش ومرة لمتردين شداد ومرات أخرى لحاكم ثغر آسفي باسم إمبراطور البرتغال. لم يستطع أبو القاسم خلال الفترة التي قضاها على عرشه أن يستميل ولو قبيلة واحدة قوية. على أنه كان من الصعب في مثل هذه الظروف استمالة القبائل القوية. كانت القبيلة ما إن تتقوى إما بأحلاف قبلية أو معاهدات مع السبنيول أو البرتغاليين إلى أن تبادر إلى الاستقلال بنفسها وتنصيب أحد أعيانها أميرا والدخول في السباق على العرش. لم يكن أمام ملك مراكش أبي القاسم إذن إلا التقدم في الظلام.
PAGE \* MERGEFORMAT 10