ملائكة السراب
"...فنبش بأصبع يده اليسرى والتقط حصاتين. أخد يلعب بهما رافعا إياهن نحو الأعلى وهو يردد "ما طلعت هاذي وما نزلت هاذي حتى فتح الله البيبان، فاينك ياصديقي يا رحال البودالي؟". وبينما الحرس يتضاحكون في بلادة واضحة، إنشق سقف القبة وهوى رحال البودالي وأخد سيدي أحمد العروسي من حزام سرواله وطار به في الأعالي.
حلقا فوق مدينة مراكش. حدث هرج ومرج في المدينة الحمراء. حرصت النساء على الخروج لرؤية هذين الوليين الصالحين. دعى أمير المدينة العلماء للحسم في الأمر. هل يمكن للنسوة أن يخرجن سافرات للتملي بطلعة هذين الخارجين عن الملة؟ إختلف العلماء؛ فمن قائل بولاية الرجلين وإذن بجواز خروج النسوة، ومن جازم أنهما مشعوذان مفسدان للأمة والدين وإذن بواجب محاربتهما وضبط الحريم داخل البيوتات. كل هذا والرجلان سابحان في الفضاء ولا أحد يدري مقصدهما.
إختلى العلماء داخل القبة الأميرية يومين متتاليين للبت في الأمر. تدخل كبيرهم: يجب أن نعرف أولا هل هم من الجن أم من الإنس؟ أجابه عالم شاب معروف لذى الجميع بضلوعه في علم التنجيم والغيب. كان الشاب يتكلم بحماس وكأنه كان على علم بالحادثة: معشر العلماء؛ يسرني أن أخبركم أن ما يقع في سماء مراكش اليوم ما هو إلا علامة من علامات الساعة. إن الحسابات الفلكية تقول، لمن يتقنها، أن هذه السنة هي سنة الإشارة الأخيرة، وأن ما سيحل بنا آت لاريب فيه، لذا أرجوكم أن تتركوا النسوة يخرجن ربما كان في ذلك خلاص لنا وللأرض وساكنتها.
إنفجر آخر، معروف بتعاطيه للقيام والصلوات والدعوات داخل المساجد. إذا فرضت علينا النسوة الخروج اليوم فمن يضمن لنا أنهن سوف يعدن إلى حجبهن وأنهن سوف يلتزمن بالبقاء في البيوت بعد اليوم. والأدهى والأمرمن هذا كله، تصوروا معي أن يسقط بين جمعهن هذان المشعوذان. أنا أدعو الله السلامة، وأتمنى أن يأخذني إلى جواره قبل أن أرى هذا.
هز بقية العلماء رؤوسهم في اتفاق تام مع المتكلم الأخير. خيم صمت رهيب على الجمع لم تنهه إلاَ قرقعة باب القبة. ظهر الأمير في لباس الحرب. إنبطح جميع العلماء أرضا ملصقين أنوفهم بالبلاط ومرددين في توافق عجيب: الله يبارك في عمر سيدي تكلم الأمير دون أن يجلس لن أنتظر مناظراتكم ومطاراحتكم طويلا. إنكم تحاولون أن ترضوا نصوصا جامدة لا مفعول لها، أما أنا فدوري هوتهدئة أمة تنتظر جوابا سريعا. إني خارج الآن من اجتماع مع الجند والأعيان والتجار والحرفيين، وقبله كنت في اجتماع مع الحريم، أظن أن شيئا ما أصاب النسوة؛ إما أن يخرجن أو إنتظروا كارثة عظمى.
نسيت أن أقول لك أن هذا الأمير، واسمه أبو القاسم، كان، كما ذكر في الكتب، إبن أمة سوداء وكان، والله يحفظنا من الشرور، أكولا عظيم البطن ومصابا بمس من الجنون. ولقد بايعه أهل مراكش مكان أخيه الذي كان أحق و أجدر بذلك، لظنهم أنهم سوف يستفيدون منه ومن بلاهته. فطغى وتجبرواستعلى واستكبر؛ لذا رأى عدد من الأتقياء والأصفياء بالمدينة الحمراء أن تحليق هذين الرجلين في فضاء مدينتهم ما هو إلا إيذان بغضب عظيم سوف ينزل عليهم. وهكذا التزموا المساجد يصلون ويقرأون اللطيف.
بقي الأمير يرغد ويزبد ويتوعد العلماء ويحثهم على إصدار فتوى بالسماح للنسوة بالخروج. كان العلماء يتشاورون وهم منبطحون تماما وأنوفهم ملتصقة بالبلاط وضرطات بعضهم تسمع وكأنها مفرقعات. وبينما القوم على ذلك الحال إذ دخل الحاجب يستأذن الأمير في دخول أحد الرسل: رسول إبن أخ السلطان يطلب ملاقاة مولانا أمر الأمير العلماء بالعودة إلى أماكنهم ثم سمح بدخول الرسول. وبينما المبعوث منهمك في تقديم التحيات والركوع والسجود وتلاوة آيات التعطيم والتبجيل كان كبير العلماء يشير إلى الحاجب أن يسمح له بالخروج إلى المطهرة لكي يغير ملابسه ويغتسل نظرا لما علق بجسده من نجاسة جراء معاناته وهو منبطح على الأرض. كانت إشارات كبير العلماء تفيد أنه ليس بإمكانه إصدار فتوى دون الحمدلة والبسملة ودون الاستشهاد بحديث أو أكثر وإذن سرد العنعنة أو العنعنات كاملة ودون الاستشهاد بالآيات الكريمة الواردة في هذا الباب. كل هذا والأمير ينتظر إنتهاء مراسيم السلام على سدته العالية. بعد انتهاء تلك الطقوس طلب الأمير من الرسول ما عنده. -إبن أخ مولانا، مولانا عبد الله، يخبركم أنه كان قد سجن المشعوذ المدعو أحمد العروسي بمشرع أبي الأعوان بأراضي دكالة - ومن سمح له بسجن أي كان، حتى ولو كان مشعوذا؟ - لأن هذا المشعوذ مولاي... - لا أريد أن تحدثني عن المشعوذ، ماذا يفعل عبدالله هذا بمشرع أبي الأعوان؟ - لا؛ لقد كان بمشرع أبي الأعوان منذ يومين، إنه الآن يقيم معسكره على ضفاف تانسيفت غير بعيد من هنا ومعه ثمانية آلاف من الجند وهو يقول لمولانا السلطان، أطال الله بقاءه، إدا لم يكن هناك من مانع، سوف يدخل مدينة أبي العباس السبتي وسوف يصبح ملكا لها. لذا، وحقنا للدماء، فإنه يطلب من مولانا أن يسلمه مفاتيح المدينة. قالها وأرفق كلامه بانحناءة كلها إجلال وإكبارللسلطان الذي كان يتشطر غيظا. عبدالله يريد مني أن أسلمه مفاتيح المدينة؛ تبا للزمان.
قال هذا والتفت إلى كبير العلماء الذي كان يسبح في بركة من السوائل التي فاضت من جسده دون هواه. اقترب منه وأخد أذنيه بين أصابعه وصار يلويها ليا: أنت الذي قرأت جميع الكتب، واعتكفت منذ يومين كاملين داخل هذه القبة الشريفة، ألم تخبرك كتبك بما يحدث في مملكتي؟ تجتمع أنت وبطانتك للحكم على رجلين عدوين لعدوي دون أن تعلموا بذلك. هذان الصالحان أصدقائي، أنبذكم معشر الجهلاء. خذوهم إقطعوا رؤوسهم.
متجها إلى الحاجب -إئتني بحاخام اليهود الأكبر فله من العلم ماليس داخل هذه الرؤوس الفارغة التي لاتينع ولا تكبر إلا لتقطع.
إلتفت الحاجب إلى أحد الحراس صارخا في وجهه: ألم تسمع أمر مولانا؟
إنحنى الجندي ثم استقام واستدار في مكانه ثم صار رافعا رأسه شاهرا سهمه واختفى عن الأنظار. أما السلطان فإنه كان يتحرك داخل القبة بقدر ما سمحت له بطنه المنتفخة وهو لايفتأ يردد: يكون عدوي على أبواب مدينتي، ويحلق صديقاي في أجواء مملكتي، وجماعة الجهلاء تبحث في الكتب المنخورة عن حل لمشكلتي.
وبينما هو على هذه الحال، دخل الحدادون ومعهم السيافة وصاروا يضعون الأصفاد في أرجل وأيدي العلماء الذين أغمي على جلهم، أما من بقي منهم على وعيه فإن السوائل التي لم يستطع لردها سبيلا كانت تترقرق من جسده داخل القبة الشريفة حتى كاد جلالة السلطان يفقد توازنه بسببها.
صاح أحد العلماء وهو مقتاد إلى مصيره المحتوم: سوف نموت شهداء؛ لقد قارعنا الظلم والغي إلى آخر نفس فينا. ستنتقم لنا العناية الإلهية؛ لكنني وأنا ذاهب لملاقاة ربي، أود أن لايستفيذ من نعمة الإستشهاد هذا الشاب الضال.
قالها وهو يشير إلى العالم الذي كان يدافع عن خروج النسوة. ثم التفت إلى السلطان قائلا: إنه مثلك، إنه يحرض على الغي والفساد، إنكما ملة واحدة فلماذا تقتله معنا؟
أخد السلطان بمقبض حسامه وهو يتشطر من الغيض؛ ثم أزال يده وأشار بها قائلا: اتركوا هذا(مشيرا إلى العالم المدافع عن النسوة) وفكوا أغلاله. ولا تقتلوا هذا( وهو يشير إلى العالم الذي ثار في وجهه) بل ضعوه في السجن أسفل سافلين حتى تأكله الأرضة والقوارض.
في هذه اللحظة سقطت عند أرجل السلطان كومة، تراجع هذا الأخير خطوتين إلى الوراء مستلا سيفه ومستعدا للقتال، عندها صاح الحاجب: الحاخام الأكبر يامولاي
تحركت الكومة السوداء وبعد تموجات وتعرجات استقامت وتكلمت: الله يبارك في عمر شيدي الشلطان.
كان الحاخام حافي القدمين ومتأبطا لكتابين أحدهما الإنجيل والثاني "دلائل الحائرين" لموسى إ بن ميمون, كان شيخا طاعنا في السن ورائحة ماء الحياة الصادرة منه تكاد تسكر من يبعد عنه بعدة أمتار. وكأنه فطن إلى ذلك قال: ليشمح مولاي الشلطان، فيوم الجمعة يوم مقدش لدينا، لانخرج ولا نتكلم ولا نتشاجر ولا نفتي حتى؛ إننا نشبت. وكنت أظن أن في هذه الساعة في يوم كهذا يجتمع المشلمون في المشاجد للشلاة. ليس لدينا وقت للصلاة اليوم، لقد استدعيناك لكي تساعدنا على إقناع هذين السابحين في فضاء مدينتنا بالنزول. ولكي تنصحنا إدا ما كان من الممكن السماح للنسوة بالخروج لرؤيتهما. ونريد منك( توقف عن الكلام برهة)؛ أخرجوا رسول عبد الله وضعوه في السجن حتى أكمل حديثي.
إنحنى الرسول بنفس اللباقة والأدب والثقة في النفس التي حيا بها في البداية. أخده العسس برفق وغادروا القاعة. كان آخر العلماء قد غادرها ومعه الحدادون والسيافة. تابع السلطان: كما أريد منك أن تدلني على طريقة شيطانية، لعبة من ألاعيب اليهود، حتى نقضي على جيوش عبد الله إبن أخي الذي.... أعرف أنه بوادي تانشيفت، أعرف ذلك لأن الحاخام الأكبر لمدينة فاش يوجد ضمن محلته، لقد أخبرنا بذلك أحد التجار اليهود اليوم وكنت أنتظر يوم الأحد لأخبر جلالتكم بذلك. على كل حال لقد أبقيت على هذا الفقيه الجليل حتى تتدارس وإياه ما حل بنا وسوف أعود لكما بعد الاجتماع بالجند والحريم. أرجوكما أن تجدا لي حلا لهذه المعضلة.
إختلى الحاخام الأكبر بالفقيه والذي كان يدعى، حسب مصادر غير موثوقة لكنني لاأتوفر على غيرها، أبو العباس أحمد بن عبدالله، وقيل أن امه وهي حامل به رأت فيما رأت وهي نائمة أن الشيخ أبا الحسن علي بن عبدالله قد سقاها قدح لبن. وكان هذا الفقيه الشاب لايفتر يردد هذا ويدعي بذلك الولاية منذ صغره. درس بفاس وحج إلى مكة مرتين وبالمقابل كان مدمنا على قراءة كتب التنجيم والفلك. ويقال، والله أعلم أنه كان مدمنا على قراءة التوراة والأناجيل والتلمود وبعض كتب الزنادقة البودية.
إختلى العالمان وتحادثا مايقارب الساعة ولا أحد علم بما دار بينهما. عند عودة السلطان رفع إليه الحاخام الأعظم التقرير التالي: - بعد تدارشنا لمشكل خروج النشوة، وبعد تقليب جميع النشوش المشلمة واليهودية والنشرانية وحتى البودية وبعد نقاش طويل اتفقنا على مايلي: أولا:نظرا لأن العدو(عدوكم أنتم يامولاي) على أبواب عاشمة ملككم، وأن الأمر يتطلب الشرعة في الإنجاز والاعتماد على الشعب، وبما أن النشوة يمثلن اكثر من نشف شاكنة مراكش، فإننا نرجو من مولانا الشلطان أن يشمح لهن بالخروج.
ضرب السلطان على بطنه مبديا علامات الارتياح هذا هو الصواب، قالها وهو يحك بطنه المنتفخة.
ثانيا: بما أن الرجلين كانا شجينين عند عبدالله(عدو مملكتكم يامولاي)فإننا اتفقنا، بعد نقاش طويل، أن تلغى شلاة الجمعة اليوم وأن يكلف المؤذنون بالتوجه إلى رحال والعروشي وإخبارهما بترحيب جلالتكم بهما ودعوتهما للنزول ضيفين على الشدة العالية بالرب. هكذاشوف نشتعين بهما لمقاومة العدو، عدوكم يامولاي.
ثالثا: لايمكننا مقاومة العدو بدون مشاعدة خارجية، ورغم أن أحد التجار اليهود أخبرني أن البرتغاليين بمدينة إيمازيغن مشتعدون لإرشال تلاثمائة من الجند لجلالتكم فإنني أعرف أن مولانا لن يشتعين بالنشارى لقتال المشلمين. بذا بعض الانزعاج على محيا السلطان لكن الحاخام لم ينتبه لذلك بل تابع، في حماس، سرد بنود مايبدو أنه مخطط فائق الإحكام. ...لذا فإني أقترح أن يذهب زميلي الفقيه في أربعمائة من الجند إلى شجلماشة ليعود من هناك بجيش جرار هو وحده القادر على هزم عبدالله عدو مولانا. وقد فهمت أن لفقيهنا هذا شيت وشلطة روحية في تلك البلاد المشلمة المجاهدة. هذا ماوقفنا عليه واقترحناه والنظر للشدة العالية بالله. قالها وانحنى حتى التصقت جبهته بالأرض.
بينما كان أبو العباس أحمد بن عبدالله يرتب امر الجند للخروج من مراكش، كانت الصوامع تنادي بصوت واحد: - ياسيدي أحمد العروسي وياسيدي رحال البودالي إنزلا أهلا وسهلا بمدينة مراكش ضيفين على مولانا السلطان. كانت النسوة قد خرجن إلى الشوارع مبديات مفاتنهن ورافعات رؤوسهن نحو الرجلين السابحين في الفضاء. يقال، والعهدة على من قالها، أن الممارسات الجنسية للمراكشيين تغيرت وتبدلت منذ ذاك الزمان.
كان الحاخام الأكبر لازال مع السلطان يبين له الحجج الدينية المشتركة بين جميع العقائد السماوية والتي تبيح استعمال المرأة في حالة الضرورة لدرء الخطر. - لن نكون مولاي أحشن من شيدنا ابراهيم الخليل أبوالتوحيد. جاء في الإنجيل... قاطعه الحاجب لكن يعلم مولاي السلطان أن هذه الكتب حرفت، و... أشمت واترك شيادة الحاخام يشرد علينا النشوش، لاوقت لذينا لتفريق أمة التوحيد، وأشار الى الحاخام أن تابع... ...أن شيدنا ابراهيم، وهل هناك أحشن منه وأعلى شأنا، لما دخل مشر قال لزوجته شارا: أنت جميلة في مظهرك ويمكن أن يشتهيك ويعشقك أي رجل حتى لو لم يكن إبن آدم. لذا أرجوك أن لا تقولي إنني زوجك. قولي أنك أختي حتى لا يقتلوني بشببك". وفعلا بلغ فرعون بواشطة شرطته أن عبرية جميلة وطأت أرض مشر بشحبة أخيها وأنها لاتشلح إلا لإله مثل فرعون. فأخدها إلى شريره وفعل مافعل. أرشل الرب (أنتم تقولون الله) ملائكته فأنزلت الدمار بقوم فرعون. عندها فطن الطاغية إلى فعلته فرد شارا إلى إبراهيم ومعها من المؤن والدواب والمال ما لا يقدر. لذا أقول لمولانا الملك أن خروج النشوة يمكن أن يكون فيه خيرا بحيث يدفع الرجلين الى النزول؛ كما أنه وفي حال دخول الجيش إلى المدينة فنحن مشتعدون لتوفيرماء الحياة حتى نسكر جميع الجند ومعهم عبدالله نفشه حتى يتشنى لكم الإنقضاض عليهم.
قل ياشمعون، إسمك شمعون أليس كذلك؟ نعم يامولاي خليني أخاطبك بإسمك لأنك صديقي وفي دمتي. أنتم لاتسبتون يوم الجمعة، أنتم تسبتون يوم السبت. لماذا تريد أن تخدعني وتتخلى عني في هذا اليوم ؟ سوف تبقى معي هنا ومصيرنا واحد. لكن مولاي هذا الشبات شبات خاص إنه يصادف بيشاح، ميمونة مولاي، ولا يمكنني... - أعرف، نحن نسميه عيد الفصح عند اليهود والنصارى على السواء. كان عندي قنصل فرنسا قبل يومين، ودعني لأنه سافر لقضاء هذاالعيد المقدس، حسب زعمه، بين أهله وذويه. غريب، لا يهم، ما الداعي إذن حتى ولو كان هذا العيد مهما أن تتركني؟ - إشمع مولاي، إن الأمر خطير، لا يمكن أن أتغيب، يجب أن أقيم القداش لأن هناك يهودا جاؤوا من الأندلش مطرودين من طرف الإشبنيول المشيحيين وهم يعتبرون نجاتهم كنجاة أجدادنا من بطش فرعون... - آه عيد النجاة، والنصارى لماذا يحتفلون بهذا العيد؟ - لأنهم وحشب جهلهم يعتبرون أنه يوم بعث المشيح. - كلكم تحتفلون بنجاتكم وأنا أعيش تحت وطأة السماء وفوق رجة الأرض. لا، لا...
سمعت أصوات ومناقشات ومجادلات خارج القبة، طلب الملك من الحاجب أن يستطلع الأمر؛ عاد ومعه صاحب الشرطة. إنحنى الأخير أمام الأمير وسلم سلام البلاط. "إرفع رأسك وهات ماعندك"، هكذا خاطبه السلطان رفع صاحب الشرطة رأسه، كانت شواربه كثيفة والشرر يتطاير من عينيه وقد تدلى على فخده الأيسر سيف تقشعر لرؤيته الأبدان. فضيحة يامولاي، فضيحة؛ تكلم ليس لذينا وقت لنهتم بالفضائح، ماعندك؟ لقد سارت النسوة يامولاي في مسيرات نحو جامع الفناء وهناك، حيث تجتمع العامة والسوقة والسفلة، أبدين شعورهن ورفعن من جلابيبهن وأظهرن مفاتنهن وهن يرقصن على موسيقى السود المسمون كناوة. وبلغني بواسطة المخبرين أن بعض العلماء الخارجين عن طاعتكم يامولاي، وعن الملة بالطبع، قد صعدوا إلى صومعة المسجد المطل على الساحة حتى يراقبوا أفعال نسائنا وربما هم بصدد تحرير فتوى خطيرة. إستدار السلطان نحو الحاخام الأعظم وساله: ما رأيك ياشمعون؟ هل توجد بينهم نشوتنا؟ هل توجد بينهن اليهوديات؟ إنطق أجب الحاخام؛ كان السلطان عصبيا وهو يتوجه إلى صاحب الشرطة. لابأش إذن، ليش هناك اختلاط. لابأس إذن، ردد السلطان. إنصرف صاحب الشرطة دون أن يفهم أي شيئ. كان قد حيى تحية الانصراف بطريقة آلية.
كان الناس منهمكين في الحديث عن أمر الرجلين السابحين في الفضاء وعن ما يمكن أن يفعله السلطان عندما وصلت إلى أنوفهم رائحة الأنثى. رفعوا رؤوسهم وأداروا وجوههم إلى حيث تنبعث الرائحة فرأوا جيوش النساء تقترب منهم رقصا على إيقاع طبول كناوة القصر الملكي أنفسهم. كان جنون النسوة الجسدي غريبا. كن يقتربن من الرجال ويبدين حتى أكثر مفاتنهن حميمية في تحد واضح لقدرات الذكور الجسدية. إختلطت الأجناس والقبائل والمعتقدات والطبقات، وصار الرجال يرقصون مع النساء والتجار، مع النبلاء، والبيض مع السود، وقيل والله أعلم أن حتى الحيوانات كان لها وجود لايستهان به في هذه الحالة التي وصفها كثير من علماء ذاك الزمان بالفاجرة. لم يكن المرء يعرف هل كان القوم يرقصون على موسيقى جامع الفناء أو صرخات المؤذنين الداعين إلى نزول الوليين وأولئك الرافعين عقيرتهم بالفتاوى المنددة بالسلطان والأوطان، أو هل كان الرقص بسبب موسيقى آتية من أكوان اخرى؟
وفعلا كان عبدالله يلاحق العروسي لأنه وكما تحمل الروايات كان يفتن النساء لينصرفن للجلوس إليه وأشياء أخرى لم أتذكرها رغم انني اطلعت عليها في الكتب القديمة. يحكى أن الرجال اشتكوا إلى ملك فاس قصتهم مع هذا الولي المدعي، الذي لم يكونوا يعرفون لاأصله ولا مفصله. وسبب رفعهم شكواهم إلى ملك فاس عوض سلطان مراكش عزاه بعضهم إلى كون هذا الأخير كان فاجرا، زير نساء و كان يعاقرالخمرة حتى الإغماء. إلا أن سكان أبي الأعوان لم يكونوا يعرفون أنهم يحفرون قبورهم بأيديهم. لم يكونوا يعرفون أنهم يستبدلون طاغية يتعاطى الفحشاء بطاغية يعشق شرب الدم عوض بنت الكروم، إضافة إلى أنهم كانوا يستعدون وليا صالحا عوض التضامن معه لمحاربة الطغيان.
وفعلا فإن العروسي وصديقه البودالي اللذان كانا يسبحان في الفضاء عندما كان الأمير السكير يترنح داخل قبته وهو يستجدي كتب الأقدمين وأحاييل الأولين، هذان الوليان وغيرهما كعبد الرحمن المجدوب، كانا يأتيان بأعجب الخوارق. لقد كان الزمن زمن عجائب وغرائب لم تشهدها الدنيا قبل ذلك الزمان. كان المؤمن يصلي ويصدق ويتلو الآيات ويوفي بجميع الواجبات المطلوبة حسب الشرع الموضوع لكن كل هذا الجهد لم يكن يحميه من بطش الحاكم ولا من ظلم القائم على الأمر. بل الأدهى من هذا كله لم يكن حتى في مأمن من الكوارث التي كان يعرف انها من قدر الخالق. كان الناس في ذلك الزمان يتعجبون عندما يرون الطاغية والظالم في نعيم والناس الورعين في عذاب أليم. كان الفقهاء أهل الظاهر كما كانوا يسمونهم في ذلك الزمان يقولون لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس وأن الملائكة يمكن أن تحارب إلى جانبهم ولكن الواحد منهم كان عندما يرى أباه أوابنه أوأخاه ذهب إلى قتال النصارى والمشركين ولم يعد ثم يقال له أن النصارى المشركين أعداء الله استولوا على البلدة أو المحلة كذا فإنه كان يبحث عن شرح آخر وطريق مغاير لمخاطبة القدرة الخارقة لتنقده. كان الأولياء يشيرون إلى طرق متعددة للحوار مع الخالق مباشرة.
كانوا يقولون أن الحب وحده يمكن أن يوصلنا إلى الكلام مع الله وسؤاله عن سبب تعاسة الأمة. كانوا يقولون أنه ليس من الضروري أن تخضع للرقابة الإلهية خمسة مرات في اليوم وأن تطهر نفسك طيلة شهر كامل أو أن تتوجه إلى الشرق لتغتسل من ذنوبك حتى تحظى بلقاء السلطة الأسمى. يجب أن تحب وتطهر قلبك وتجليه كما تجلى المرآة لكي تجد نفسك أمام الملإ الأعلى. كان العروسي والبودالي من هؤلاء الداعين إلى هذا الطريق الموحش والمقفر ولكنه وحده السليم المؤدي إلى الخلاص حسب زعمهم. كانوا يُطَلِّقون الدنيا، يترفعون عن الحياة المادية ويكتفون بالضروري لسد الرمق. إلا أن مقدار الضروري لسد الرمق كان يختلف حسب تقدير كل ولي، تماما كما هي فكرة الحب. هل يلزم أن تقصر على المحبوب الأعظم الذي لاتدركه العقول ولا الأبصار ام تتمطط لتشمل كل شيئ حسن لطيف من شأنه أن يجعل الجسد يخف ويرتقي في مدارج الروح ليكون من الواصلين. كانت هذه النقاشات لا تسبب نزاعا بين الأولياء فقط بل كانت تعتبر من قبيل المذاهب والمنازع الموصلة حتما إلى المنتهى المقصود. كان الخلاف الحقيقي بين أهل الشريعة وأهل الحقيقة؛ بين مطالب بالنظام والسلطة الممركزة بين يدي سلطانين الأول يحكم شؤون الدنيا والثاني يراقب أمور الآخرة وبينهما علاقة وطيدة، وبين مطالب بالحرية الفردية في العبادة دون سواها. لكن سلطتي الشريعة كانتا تفهمان أن انعتاق العامة من سلطة الشريعة المسيرة لأمر آخرتها هو بداية ثورة ضد السلطة المتحكمة في دنياها.
هكذا عندما كان أحمد العروسي و البودالي أو أحدهما عند ضفة وادي أم الربيع غير بعيد عن أبي ألأعوان، وصادف عند عين فتيات جميلات يحملن جرار ماء طلب منهن بعضه للوضوء. فما كان من الفتيات إلا أن إشترطن عليه الرقص على إيقاع غنائهن الخلاب. فصار يرقص ويردد معهن ما يقلنه. ويحكى أن صوته وهزات كتفه إضافة إلى اشياء أخرى غير معلومة أو سكتت عنها الحكاية لسبب ما، جعلته يتحول إلى طائر وهن إلى حمامات فطاروا جميعا ليستقروا فوق الجبل الأخضر حيث كان اختار خلوته.
تتضارب الروايات حول ماقيل أثناء الرقص. فهناك من ذهب إلى أن الفتيات كن يئن ويشتكين من آلام الفراق ولواعج الهوى وأن الولي سحرهن بالكذب والبهتان والأماني المغلوطة واعدا إياهن بلقاء الأحبة. وهناك من يكذب هذه الرواية بسبب بسيط وهو أنها لاتشرح معجزة الولي وتحوله إلى طائر والفتيات إلى حمائم. على أن هناك من يظن أنه يتوفر على شذرات من النص الذي كان يردده الولي والذي لايعدو أن يكون بضع كلمات هي: هز القلوب، براء القلوب. ويذهب القائل بمعرفته بهذا القدر من النص إلى أن الأمر كان يتعلق بتلقين الفتيات مبادئ الإرتقاء العشقي نحو المحبوب الأعظم. ويتمادى المتمسكون بهذا النوع من التفكير في تفسيرهم ليؤكدوا أن الجبل الأخضر ما هو إلا كناية عن الكثيب الأبيض الذي يقف عنده الواصلون حسب محيي الدين إبن عربي وهكذا يكون التحول إلى كائنات طائرة ماهو في الواقع إلا تخل عن الجبة الجسدية ودخول في الجبة المعنوية للصعود نحو الملأ الأعلى.
من جهتهم كان أصحاب الظاهر يقدمون الحجة تلو الأخرى لدحض آراء أهل الصوفية، هكذا كانوا يسمونهم، من ذلك أن التآويل المغرضة لاأساس لها وأن الصعود من عدمه أو الارتقاء المزعوم ماهي إلا أقاويل باطلة إن هي انطلت على العامة والجهلة فلن تجد سبيلا إلى قلوب المتمسكين بالعروة الوثقى. ويضيف هؤلاء أن الجبل الأخضر مكان موجود معروف برجراجة وللتدليل على صحة أقوالهم فقد دفعوا بالسلطان إلى بعث حاجبه إلى ذلك الجبل للقبض على أحمد العروسي وهكذا كان.
عاد العسكر بالولي، أو المزعوم هكذا، إلى قصبة أبي الأعوان وهناك هيأوا له حفرة عميقة ورموه فيها. نادى المنادي من أعلى صومعة في المدينة أن على كل من أراد أن يتلذذ برؤية المشعود العروسي وهو يحترق فما عليه إلا أن يتوجه، بعد صلاة الظهر، إلى قبة المقصلة ومعه حزمة حطب، وكلما كان الحطب وفيرا كلما كان الأجر كثيرا. إنتشر الخبر كالنار في الهشيم كما قالت العرب. غصت القاعة بالفضوليين والراغبين في الانتقام والناقمين على السلطان ومن جميع الملل والأديان. شاع خبر بين الناس مفاده أن السلطان سوف يحضر المحرقة بنفسه وربما سوف يشعل شرارتها الأولى ويترك البقية للمخلصين من رعيته. لكن المعجزة حصلت وتحول البودالي إلى طائر وجاء لإنقاد رفيقه. هنا جن جنون عبد الله وأقسم أن يلاحقهما حتى ولو سارا إلى بلاد السند. لكن العقلاء من حاشيته رأوا في تماديه بداية لخرابه وخراب دولته. أما العامة والتجار والعبيد وقيل حتى بعض الفرنجة الذين كانوا قد وفدوا على القصبة عند سماعهم لوصول عبد الله إليها، فقد أجمعوا على أن بلاد مراكش مقبلة على أزمنة عصيبة وقرون عسيرة. ابتدأ الناس يفكرون في تخزين المؤن وتأمين مداخل المدينة والبيوت. أما الميسورون فقد فكروا في الذهاب إلى الأماكن المقدسة طلبا للتجارة والبقاء هناك مجاورين إلى حين. أما عبد الله فلقد جهز جيشه وأخبر جنده بأن عليهم أن يستعدوا لمسيرة قد لاتنتهي. هذا هو عبد الله الذي يحاصر الآن عاصمة ملك عمه وهو يطارد عدويه.
كان السلطان منهمكا في تفكير عميق عندما ردد ببلادة ماقاله الحاخام الأعظم ولم يفطن إلى أن رئيس الشرطة غادر القبة الملكية. وفجأة صاح في وجه حارسه الخاص طالبا منه أن يأتيه بالرجل.
قل لي ألذيك معلومات عمن يكون هذان الرجلان؟ نعم سيدي، فالمدعو البودالي معروف لدى أجهزتنا بشخص مختل عقليا يظل يومه يتجول في ساحة جامع الفنا ويردد عبارات مضحكة لايفهمها أحد. ضحك الحاخام حتى دوت قهقهته في أرجاء القبة. يبدو أنه لم يكن بمستطاعه كبح جماح ضحكه. ليعذرني مولاي الشلطان، كيف يمكن لشخص يقول عن عبارات أنها مضحكة وهو لا يفهم معناها؟ قالها الحاخام واستمر في الضحك. -الحقيقة أنك بليد وأنا أبلد منك لأنني سلمتك أمور الأمن في مملكتي أنتظر فقط إنتهاء هذه المحنة لأطلب من أصدقائي البرتغاليين بمدينة إيمازيغن مدي بفرقة خاصة لحراستي. أكمل.. نظر صاحب الشرطة إلى شمعون شزرا وعيناه تتطاير شررا كمن يفكر في انتقام قاس، لكنه ابتلع الإهانة وتابع... - وكان يغادر مدينة مراكش من حين لآخر ولم نكن ندري إلى أين يذهب. ولكنني علمت اليوم أن كل فقهاء المدينة وصلحائها كانوا ينصتون إليه عندما يتكلم. لاأدري لماذا؟ يقال إنه ولي صالح وله كرامات كثيرة. - لو كنت تعلم شيئا لما كنا في هذه الطامة الكبرى. والآخر من هو؟ - الآخر إسمه أحمد العروسي وهو... تردد تم اقترب من أذن السلطان ووشوش شيئا ما، تراجع الأمير إلى الوراء وظهرت عليه حالات الوجل وهز رأسه كمن يوافق على شيء لا مفر منه، ثم التفت إلى الحاخام قائلا إسمع حبيبي هناك أشياء سوف أسمعها ويستحيل حضورك أثناء التصريح بها. يمكنك الانصراف. لم يحدد الأمير كيفية الآنصراف وهو ما سوف يجر عليه وبالا. إلتفت إلى الشرطي، معك الحق لايمكن أن نذكر روايات الرسول الأعظم وذريته أمام اليهود. هات ما عندك. صفق الشرطي فدخل حارس ووراءه رجل طاعن في السن. قبل الأرض بين يدي الملك وانطلق يحكي وكأنه محشو بهذه المعلومات ولا يستطيع قول غيرها. إسمع أيها الملك السعيد، إن هذا المدعو العروسي جاء فاس قادما إليها من الأندلس. لانعرف لماذا غادر الأندلس ولا سبب اختياره لفاس. وعند وصوله إلى عاصمة ملك أخيكم المبجل كان ذلك في اليوم الثاني من شهر الحر. يحكى أن الغيم كان ينزل حتى يكاد يلامس رؤوس البشر و الحرارة مرتفعة إلى حد لايطاق. فلما وطئ أرض فاس وهي على هذه الحال فسر ذلك على أنه إشارة من السماء
بقرب نزول غضب لايبقي ولا يدر. حزم أمتعته واتجه إلى مكناسة الزيتون التي كان قد عقد العزم على زيارتها ومقابلة أحد المجانين المدعو عبد الرحمن الملقب بالمجدوب بسبب افعاله الخرقاء التي لاتتفق ولا الدين ولا الأعراف.
سار على الأقدام رغم الحرارة الشديدة. إنتبه الناس إلى شيئ غريب آنذاك وهو أنه لم يكن لامنهكا ولا عرقانا في الوقت الذي كان فيه بنو البشر يسبحون في العرق حتى وهم تحت ظلال الأشجار. تعودوا بالله من الشيطان الرجيم ومن شر الجن الرقيم. فمنهم من رأى في هذا علامة الولاية ومنهم من قال أن هذا فعل مارد رجيم. أما هو فقد تابع سيره غير آبه بالقيل والقال حتى اختفى عن الأنظار.
إذا كان لقاؤه بعبدالرحمان المجدوب وبعد ذلك برحال البودالي الذي يدعى في حقيقة الأمر البوهالي، نظرا لبلاهته التي لم تكن تخفى على أحد في مراكش، قد أدخله في الجنون، فإنه على العكس من ذلك إبن عائلة زكية طاهرة تنحدر من شجرة طيبة. إنه جاء الأندلس من تونس الخضراء باحثا عن شيئ لايعلمه هو نفسه. بلغني أنه كان يسمع نداء يدعوه إلى الإتجاه إلى الغرب بينما كانت رغبته هو ووالدته الذهاب إلى المشرق للدراسة بمصر والشام ثم القدس قبل الإلتحاق بمكة لقضاء فريضة الحج والمجاورة حتى يؤذن له بالرحيل كما هو الشأن بالنسبة لجل الأولياء. يبدو أن النداء كان يلح على مسامعه وداخل طبلة أذنه حتى ظنت والدته أن مسا ما أصاب إبنها. تعجب علماء تونس الذين كانوا يعرفون صلاح وتقوى والده: كيف يمكن لنداء السفر وهجرة الأحباب والخلان والزهد في الدنيا أن تأتي من الغرب؟ فهم الحكماء هذه الحالة على أنها علامة من علامات الساعة. كيف يأتي النداء إلى إبن االولي الصالح يدعوه إلى التوجه غربا؟
كان والده رجلا ورعا ولكن حكايته مع ابنه وأم إبنه أغرب ما بلغ إلى مسامعي. فلقد إختارت عائلة من أنبل بيوتات تونس أن تهدي ابنتها لوالد العروسي. وفي ليلة العرس حدث شيئ غريب. دخل الولي إلى غرفة العروسة، لم يزل ثيابه، لم يطلب منها أن تكشف عورتها وإنما رفع قميصها إلى حد البطن وبسبابته رسم دائرة حول سرتها ثم اختفى وكأنه تبخر. لاأحد من الساهرين أمام مخدع العروسين رآه وهو يغادر الغرفة. وبعد أيام إتضح أن العروسة التي لم يطأها أحد حامل. لذا وعندما ازداد الرضيع سمي إبن العروسة أي تلك التي لم يمسسها أحد. ومن هنا إسمه العروسي. إنه إبن العذراء.
تململ الأمير وصدرت عنه بعض الأصوات الغريبة المنبعثة من جسده الثخين رغما عنه. كان منهكا. سأل الحاجب أن يصرف الرجل ويحضر الحاخام. أبلغه الحاجب أن الحاخام انصرف بأمر من جلالته وأنه غادر القصر نهائيا. طلب أصحاب الدواوين فقيل له أن الكل بساحة جامع الفناء. لم يبق في القصر إلا صاحب الجلالة وحارسه الشخصي والحاجب ومضحك السلطان. حتى ولو حاول الملك الذهاب إلى جامع الفناء فليس هناك عسس لمرافقته. يبدو وأن هناك انقلاب في الأشياء. أصبحت الغرائز هي المسير الوحيد لساكنة المدينة وانتفت الفوارق بين الناس لليلة واحدة. أصبحت ساحة جامع الفناء فضاء يتسع لكل المراكشيين.
وبينما كان الناس يطلقون العنان لغرائزهم دون حدود، كان الوليان ينظران إلى كل مايحدث في حياد تام. ذكر بعض المؤذنين الذين توصلوا إلى تبيان بعض من ملامحهما إلى أن علامات الرضا كانت بادية على وجهيهما. لاندري هل كان ذلك نكاية في السلطان أو موافقة على مايحدث. كان الوقت ربيعا لم تكن هناك حرارة شديدة. كان الجو صحوا ولكن الغريب هو أن غيمة صغيرة اقتربت عند بداية المساء من الرجلين السابحين في الفضاء وتوقفت ليستعملاها كسرير للنوم. غابا عن الأنظار بسبب الغيمة و حلكة الليل. أما جامع الفناء فإن الرقص والممارسات التي لايمكنني أن أذكرها لك استمرت طوال الليل خصوصا بعد انضمام اليهود إلى الحفل وإباحة الخمر.
كان عبد الله الذي قد عسكر على الضفة الشمالية لوادي تانسيفت ينتظر رد عمه ليفصل في أمر سير جيشه. أجل ذلك إلى اليوم الموالي لكن ذلك لم يمنعه من إرسال جواسيسه لاستطلاع الأخبار. كان الجواسيس يدخلون المدينة ولا يخرجون منها. حتى المخبرين اليهود لايعودون. سأل الحاخام الأكبر لمدينة فاس الذي كان يرافق المحلة لتوطين اليهود المطرودين من الأندلس لكنه لم يجد جوابا. هذا لايعني أن الحاخام كان يعلم، بل كان مثله مثل عبدالله حائرا في تفسير هذا الأمر. كل هذه الألغاز سوف تجد لها جوابا عندما تنتهي المعركة إن هي انتهت يوما ما. و كأن الغيب كان قد قرر مصير عبدالله وجنده. فتأخير تخطي وادي تانسيفت سوف يكون وبالا على هذا الأمير الطائش.
أما داخل القبة الأميرية بمدينة مراكش فلقد أحس السلطان بالغريزة أن بقاءه داخل القصر غير آمن إذ يمكن لأي كان أن يغتاله. كما يمكن لعبدالله أن يبعث بفرقة خاصة لاختطافه وتقديمه هدية إلى المشنقة. فبدأ التفكير بالخروج وبأسهل الوسائل إذ لاتتوفر لديه حلول كثيرة. فكر في التنكر في زي امرأة لكن الحاجب ذ كره أن ليس هناك امرأة ذلك المساء تحمل خمارا أونقابا حتى. بعد أن قلب وحاجبه كل الإمكانيات اهتديا أخيرا إلى تسويد وجهيهما والخروج بطبلين متنكرين على شكل كناوة. تخلصا من الحارس الشخصي ومن المضحك وغادرا القصر متوجهين إلى جبل كليز. قصدوا الطريق المؤدية إلى آسفي أو الصويرة. كان عليهما أن يحتاطا من جواسسيس عبدالله. ولكن كما قال شمعون فإن خروج النسوة كان فيه خلاص الملك. كان جواسيس عبد الله ماإن يدخلون المدينة حتى تتلقفهم أجواء الاحتفال الجسدي فينخرطون في الملذات وينسون مهمتهم بالمطلق. خرج الملك تاركا الكتبية على يمينه، محتميا بها من المكاره، ومخلفا وراءه مملكته وذريته عرضة لكل المخاطر.
أما الجواسيس اليهود فكانوا يصلون أولا إلى الكنيس حيث كان من المفروض أن يقام القداس الرسمي ولكنهم بعد الانتهاء من مقابلة الحاخام الأعظم كانوا يغيرون ملابسهم ويخرجون إلى جامع الفناء للتلذذ ككل البشر في تلك الليلة. سوف نعرف من بعد كل هذا الذي حدث أن شمعون الحاخام غلب الحكمة على العاطفة وقرر أن لايناصر إبن الأخ على عمه أو العكس. ولعله فكر في شيئ ما للتخلص من هذا الورطة ولا يريد أن يسر به حتى لحاخام فاس. لذا كان يطلب من كل من وصله من الرسل إلى الذهاب للمتعة بجامع الفناء وترك المهمة له.
دخل كل شيئ في حلكة الليل؛ الملك وعبدالله والوليين السابحين في الفضاء، الحاخام والمدينة بكاملها إلا تلك النقطة المضيئة داخل مراكش: جامع الفناء. كان الملك يمشي على الأقدام يحث السير نحو إحدى القرى للاحتماء بشيوخها الذين حتى وإن كانوا لايكنون له تقديرا فإنهم يقدرون ما كانوا يعتبرونه عملا صالحا من والده. وعند جنان الليل طلب عبدالله من جنده أن يكمموا الجياد وأن يحبسوا الأنفاس حتى لا يهتدي إليهم أحد. أحس بخوف شديد عندما فقئت عيناه وأخرست أذناه بسبب عدم عودة المخبرين. كما كان شمعون في حلكة كنيسه يدعو ويتبتل أن يعود الفقيه أبو العباس أحمد بن عبدالله الذي ذهب لإحضار العون والسند لمدينة مراكش ضد جيوش عبدالله. كان شمعون يخشى أن تنكشف الخطة التي وضعها وحليفه الفقيه قبل تنفيدها. أما العروسي والبودالي فقد كانا في حلكة لا يستطيع أحد التكهن بنهايتها.
PAGE
PAGE 8